ما حدث الخميس الثامن من شهر ايار الحالي، يعكس بصورة مصغرة ولكنها واضحة جدا، احد الاوجه البارزة للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني القائم منذ قيام اسرائيل وخلال ستين سنة، والذي يعتبر القضية المركزية المحورية على ساحة الصراع الاسرائيلي – العربي. ما حدث عكس حقيقة التناقض الصارخ بين موقفين متناحرين من قضية الحقوق القومية الوطنية المشروعة. فأحد طرفي الحدث والتناقض ان اسرائيل الرسمية وغالبية الشعب اليهودي قد احيت في السابع والثامن من هذا الشهر مناسبتين، مناسبة مرور ثلاثة وستين عاما على "الكارثة" والنصر على النازية، ومناسبة الاحتفال بذكرى مرور ستين سنة على قيام واستقلال اسرائيل. وفي كلتا المناسبتين لجأت اسرائيل الرسمية، الاوساط الصهيونية الحاكمة والمتواجدة خارج اروقة السلطة الى تشويه الحقائق والتضليل المنهجي في كل ما يتعلق بجوهر هاتين المناسبتين ومدلولهما السياسي. ففي ذكرى النصر على النازية تتجاهل هذه الاوساط الصهيونية ووسائل اعلامها، كما تتجاهل ابواق الامبريالية والصهيونية العالمية، وبشكل منهجي متعمد ثلاث حقائق جوهرية ساطعة كالشمس، الحقيقة الاولى، محاولة طمس وتقزيم دور الاتحاد السوفييتي والجيش الاحمر الباسل الحاسم في النصر على النازية وتحطيم النظام الهتلري النازي في عقر داره وتحرير العديد من الشعوب من قيود الاحتلال العبودي النازي الهتلري في اوروبا الشرقية، في بلغاريا ورومانيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا والبانيا ويوغسلافيا وبولونيا ورفع علم النصر الاحمر السوفييتي فوق البرلمان الالماني "الرايخستاغ" تقزيم هذا الدور السوفييتي والمبالغة في تقييم دور الولايات المتحدة وبريطانيا. وهذا التشويه ليس وليد الصدفة، فان الاوساط الصهيونية الحاكمة في اسرائيل والمنظمة الصهيونية العالمية ووسائل الدعاية الاستعمارية غير معنيين بابراز حقيقة ان الاتحاد السوفييتي والشيوعيين في اوروبا وفي كل مكان معادون للنازية الالمانية والفاشية الايطالية والعسكرية اليابانية ايديولوجيا وسياسيا كأشرس ما تنجبه البرجوازية الرأسمالية من فئات وشرائح مغرقة في رجعيتها اليمينية المتطرفة والعدوانية. والحقيقة التي يشوه مضمونها وابعادها المشوهون كون الشيوعيين في الصف الامامي، في قيادة حركات المقاومة (الانصار –برتيزانيم) ضد المحتلين في البلدان المحتلة من البانيا حتى فرنسا. والحقيقة الثانية ان اسرائيل الرسمية والمنظمة الصهيونية العالمية والاوساط الامبريالية ومنظريهم ووسائل دعايتهم يلجأون الى طمس حقيقة المنبت الطبقي للنازية والفاشية ومختلف اشكال العنصرية بما في ذلك اللاسامية والصهيونية السياسية التي تنشأ في رحم الانظمة الرأسمالية في ظل تفاقم ازماتها الاقتصادية والسياسية. فالكشف عن هذا المنبت الطبقي تطال نصاله السياسة العنصرية السلطوية الاسرائيلية الممارسة ضد الجماهير العربية، ضد الاقلية القومية العربية الفلسطينية الباقية في وطنها، في اسرائيل، وتعري التدهور المأساوي للممارسات الفاشية العنصرية على مختلف الصعد والمستويات ضد العرب والدمقراطية في اسرائيل. اما الحقيقة الثالثة، انه رغم ادانتنا ومعاداتنا للنازية والفاشية اعدى اعداء البشرية والانسانية التي ارتكبت افظع الجرائم الدموية بحق الشعوب وبضمنها ضد اليهود، رغم كل ذلك فالحقيقة هي ان الصهيونية العالمية استغلت التعاطف العالمي والتضامن العالمي مع ضحايا جرائم النازية من اليهود وغيرهم، جرائم معسكرات الموت وافران الغاز (المحارق)، استغلت كل ذلك لدعم مشروع اقامة الدولة في فلسطين الانتدابية تجسيدا لوعد بلفور الاستعماري وللتغطية على اكبر جريمة تطهير عرقي جرت في القرن العشرين ارتكبتها الصهيونية بالتآمر والتنسيق مع الانظمة الامبريالية وبتواطؤ بعض الانظمة الرجعية العربية. تطهير عرقي أدى الى تشريد اكثر من سبعمئة الف فلسطيني الى المنافي القسرية خارج حدود وطنهم. تطهير عرقي لجأت من خلاله القوى الصهيونية الى ارتكاب ابشع المجازر والجرائم ضد المدنيين الفلسطينيين في دير ياسين والطنطورة وعيلبون ومجد الكروم وغيرها وهدم اكثر من خمسمئة مدينة وقرية و"خربة" عربية لاجبار الفلسطينيين على الرحيل من ارض الآباء والاجداد وحرمان الشعب العربي الفلسطيني من حقه الشرعي والوطني بتقرير المصير في اطار دولة مستقلة ذات سيادة.
ولهذا، فان قيام اسرائيل واعلان استقلالها في الثمانية والاربعين كان في نفس الوقت انفجار جرح النكبة الفلسطينية النازف دما حتى يومنا هذا، وتحول الشعب العربي الفلسطيني بغالبيته الساحقة الى شعب من اللاجئين في الشتات القسري. وتتحمل اسرائيل الرسمية واوساطها الصهيونية الحاكمة المسؤولية السياسية والاخلاقية عن النكبة وعن قضية اللاجئين وحقهم الشرعي والانساني والاخلاقي بالعودة. ولهذا ليس من وليد الصدفة ان يؤكد الفلسطينيون في جميع اماكن تواجدهم بما في ذلك داخل اسرائيل، ورغم مرور ستين سنة على النكبة، تمسكهم بالحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف، بحق تقرير المصير في اطار دولة مستقلة في حدود الرابع من حزيران السبعة والستين وعاصمتها القدس الشرقية وحق اللاجئين بالعودة. وليس من وليد الصدفة ان رسالة الفلسطينيين في جميع اماكن تواجدهم في يوم استقلال اسرائيل كان "يوم استقلالهم يوم نكبتنا". ففي الوقت الذي جرت فيه الاحتفالات واطلاق المفرقعات في الشارع اليهودي الاسرائيلي عشية ويوم الثامن من ايار، كان هذا اليوم ليس عيدا بل ذكرى مأتم جنائزي بمرور ستين سنة على النكبة. فمن ضحايا النكبة حوالي ثلاثمئة الف مهجّر فلسطيني من اللاجئين في ارض وطنهم قسرا وظلما من جراء جريمة هدم مدنهم وقراهم ابان النكبة. فهؤلاء المهجرون من شعبنا وبتنظيم جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين في اسرائيل"، وبالتنسيق مع لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في اسرائيل نظموا في الثامن من ايار، أي في يوم اعلنت فيه اسرائيل احتفالها بالاستقلال، نظموا مسيرة العودة الثالثة عشرة، وهذه المرة الى قرية صفورية المهجرة وذلك لاداء القسَم الوطني والانساني واطلاق الصرخة الجماعية من افواه الالوف المؤلفة انه "لا بديل عن حق العودة" والاصرار على مواصلة المعركة العادلة لضمان حق العودة للاجئين والمهجرين والنازحين قسرا. فحق العودة للاجئين الفلسطينيين المسنود بقرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار (194) يعتبر احد الثوابت الاساسية للحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية غير القابلة للتصرف. ثابتة وطنية لا يسري عليها قانون تقادم الزمن. وقد خاب ظن اعداء الحقوق الوطنية الفلسطينية من حكام اسرائيل وحلفائهم واسيادهم الذين راهنوا على عنصر الزمن الكفيل بنسيان وموت قضية اللاجئين، كمقدمة وكمحك لدفن الحق الوطني الفلسطيني في الدولة وعاصمتها القدس الشرقية. فمعطيات الواقع تؤكد ان حق العودة مزروع في قلب ووجدان مختلف الاجيال الفلسطينية، وفي يوم استقلالهم يوم نكبتنا، كان اهالي القرى المنكوبة من المهجرين داخل الوطن، يتوجهون شيبهم وشبابهم واطفالهم كل الى قريته المنكوبة للتماهي مع تاريخ وحق وذاكرة عصية على النسيان ولاداء قسَم التمسك براية الكفاح حتى العودة.
لقد جاءت مناسبة "يوم استقلالهم يوم نكبتنا" في ظل تصعيد التآمر والعدوان على الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف الذي يمارسه تحالف الشر الاسرائيلي – الامريكي وبتواطؤ بعض الانظمة العربية المدجنة امريكيا. فمحور الشر الاسرائيلي – الامريكي ينشط وفق برنامج استراتيجي منسق ومتفق عليه بينهما بهدف تسويق تسوية "سلام امريكي" تنتقص من ثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف. وتضغط الادارة الامريكية وجرائم الاحتلال الاسرائيلي ودواجن الامريكان من العرب على السلطة الشرعية الفلسطينية والرئيس محمود عباس للقبول والموافقة على "السلام الامريكي" الذي ينسجم مع الاملاءات الاسرائيلية الاستعمارية بهدف انجاز السلام المنقوص. ولتحقيق هذا الهدف قامت وزيرة الخارجية الامريكية بأربع جولات محادثات ضغط على الفلسطينيين خلال فترة زمنية قصيرة لا تتعدى الشهر وعدة ايام. فالضغط الذي يمارسه محور الشر الامريكي – الاسرائيلي يستهدف خنوع القيادة الشرعية الفلسطينية واخذ موافقتها "لاتفاقية مبادئ" حل نهائي دائم ينسجم مع رؤية بوش حول الدولتين المتجاورتين – اسرائيل وفلسطين. ومن خلال مفاوضات "طحن الماء" بين الاسرائيليين والفلسطينيين وبقوة الدفع الامريكية، بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس حكومة اسرائيل ايهود اولمرت، بين احمد قريع ابو العلاء وتسيبي ليفني، بين سلام فياض وايهود براك تتضح ابعاد المؤامرة والخطة الجهنمية التي ينسج محور الشر الاسرائيلي – الامريكي خيوطها لحل منقوص وغير عادل يجري التآمر لاملائه على الفلسطينيين. فما يتسرب وتسرب من طاولة المفاوضات الاخيرة بعد جولات رايس المتكررة تبرز ثلاثة مؤشرات ودلائل غاية في الخطورة من حيث المدلول السياسي المسيء للحقوق الوطنية الجوهرية الفلسطينية. المؤشر الاول، الذي تتسرب الاخبار حوله، انه حدث تقدم ما في طواقم التفاوض الاسرائيلية والفلسطينية في موضوعي الامن والحدود!! فأمنيا تتسلم السلطة الفلسطينية تدريجيا مسؤولية الامن في بعض المناطق، حيث تقوم قوات وشرطة السلطة برعاية الامن الداخلي في نابلس وطولكرم وجنين، دون مصادرة صلاحية الاحتلال الاسرائيلي وقواته وتحت اية ذريعة يخترعها المحتل لاجتياح مختلف مناطق السيادة الامنية للسلطة بحجة ملاحقة "الارهاب والارهابيين الفلسطينيين". اما بالنسبة للحدود فالحديث يجري عن "مبدأ التبادلية"، فاسرائيل المحتل تتحدث عن ضم الكتل الاستيطانية وغور الاردن الى اسرائيل مقابل ضم المثلث العربي او اراض في النقب الى الكيان الفلسطيني المرتقب. وتحت يافطة هذا المؤشر يمارس المحتل الاسرائيلي نشاطا مكثفا للاستيطان الكولونيالي ومواصلة بناء جدار الضم والعزل العنصري.
المؤشر الثاني والمؤشر الثالث يعكسان الموقف الاسرائيلي المسنود امريكيا الذي يتمسك بشكل مطلق بضم القدس الشرقية الى القدس الغربية في اطار قدس موحدة تحت السيادة السياسية الاقليمية الاسرائيلية والرفض المطلق لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وتوطينهم في اماكن تواجدهم وبعض في اراضي الكيان الفلسطيني الذي يتفق على اقامته!! وهذه المؤشرات الثلاثة تتضمنها عمليا رسالة تطمينات الرئيس الامريكي بوش الى رئيس حكومة اسرائيل شارون في العشرين من نيسان الفين واربعة.
وما نود تأكيده في نهاية المطاف ان مفاوضات "طحن الماء" الاسرائيلية الفلسطينية تتواصل في وقت يواصل فيه المحتل الاسرائيلي مجازره وجرائمه في المناطق المحتلة يواصل ارتكاب "المحارق" الدموية والحصار الاجرامي الاقتصادي – التجويعي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة والملاحقة والقتل وعمليات اعتقال الناشطين الفلسطينيين في الضفة والقطاع. كما نود تأكيد انه لا يمكن انجاز تسوية عادلة، او حتى عادلة نسبيا دون انجاز الحق الوطني المشروع بالدولة والقدس والعودة المحك الاساسي لضمان الامن والاستقرار والسلام في الشرق الاوسط. كما ان التمسك بثوابت الحق الوطني الفلسطيني بالتحرر والدولة والقدس والعودة المحك الاساسي للوطنية الحقيقية الصادقة. ومرور ستين سنة على النكبة يعكس حقيقة انه لا يمكن لجرح النكبة ان يندمل ويتوقف نزيف الدم من شرايين الصراع بدون انجاز الحق الفلسطيني بالتحرر والاستقلال الوطني. فقيام دولة فلسطين والاستقلال الفلسطيني يجعل للاستقلال الاسرائيلي معنى آخر.
د. احمد سعد
السبت 10/5/2008