زيتونة الوطن

ذنبنا على جنبنا، تراقعنا في السفر حتى وصلنا متأخرين الى المهرجان الافتتاحي للمعركة الانتخابية للجبهة في الناصرة، صنْبعنا واقفين ساعتين دون شكوى، فالفرحة بالمشاركة الجماهيرية المهيبة التي لم تتسع قاعة "ابو ماهر" الكبرى لاحتوائها ولا الادراج والساحات خارج القاعة التي احتضنت مشاركين يضاهي عدد من حظوا بالمقاعد داخل القاعة، فرحنا بجمهور جبهة يصر على النصر أنْسانا ألم ووجع ارجل الوقوف.
وقف الى جانبي رجل متقدم في السن، لاحظت ان الدموع تتساقط من مقلتيه، حسبت ان تعب الوقوف اثّر على شيخوخته، قلت له: انا مستعد ان ادافش لاوفر لك كرسيا تستريح عليه في القاعة.
تبسم من بين دموعه التي تراقصت على شفتيه: وقال: هذه دموع الفرح يا ابني، زيتونة الوطن المباركة اصبحت وارفة عميقة الجذور، ويا جبل ما يهزك ريح بين جماهيرنا، انا صديق للشيوعيين منذ هجّجنا الصهاينة من بلدنا المهجرة معلول، شعبنا لن ينسى دور الشيوعيين عندما كنا بعد النكبة اشبه بالايتام على مائدة اللئام نواجه جرائم كرابيج الحكم العسكري، لم يتصد للظالمين سوى الحمر ، ثبّتوا اقدامنا على ارض الوطن، لم يرهبوا السجن والسجّان وحصار قطع الارزاق، أسخر يا ابني من "فطريات الشتاء" الذين يزاودون على الحمر باسم القومية والوطنية والتمسك بحبل الله تعالى، ومرذول يا ابني وفاقد الشرف والمروءة والكرامة الوطنية كل من يخدم الاحزاب الصهيونية او يصوت لها.
قلت له، فعلا يا محترم الجبهة التي في مركزها الحمر زيتونة الوطن المباركة، تعال يا عم نجلس على الدرج لاقص عليك هالسولفية القصيرة. عشية الانتخابات للكنيست في اوائل الخمسينيات كان الحكم العسكري يفرض ارهابا اسود على مدننا وقرانا العربية، يهيئ واذنابه من حمَلة المسدسات وشهادات الخيانة الوطنية الساحة للقوائم العربية المجرورة بحبال التبعية لحزب السلطة "مباي" وغيره من الاحزاب الصهيونية ويعملون المستحيل لعدم ايصال كلمة الحق من افواه الشيوعيين الى جماهيرنا.
وفي بلدنا الثانية بعد النكبة، ابو سنان، لم يكن في حينه عدد الشيوعيين يتراوح عدد اصابع اليد الواحدة وبقيادة مؤسس الفرع خليل خوري (ابو سخي) ابن قرية البروة المهجرة. قبل يوم الانتخابات بعدة ايام اخذ ابو سخي ورفاقه يدعون الناس سرا لحضور اجتماع شعبي يتحدث فيه النائب الشيوعي توفيق طوبي. بقيت المشكلة كيف يمكن نزع الخوف من قلوب الناس لضمان حضورهم وتحدي عصا الحاكم العسكري واذنابه. بعد تفكير قال ابو سخي لرفاقه "وجدت الحل".
توجه الى دار شيخ ٍ جليلٍ محترم من عائلة معروفية كريمة امام ساحة دار غالبا ما تغص بالمشايخ والشباب من طوائف القرية الثلاث. قال للشيخ: يشرفنا ان تكون اول زيارة لعضو الكنيست توفيق طوبي الى بلدنا في الساحة امام داركم العامرة. قال الشيخ: يعني يابو سخي طوبي، هذا وزير؟ اهم من وزير يا شيخ. وحضر ابو الياس واستقبله الشيخ وابناء عائلته ولفيف من المشايخ الافاضل والرفاق بالترحاب وبكرم الضيافة المعروفية المعهودة. وعند بدء الاجتماع الشعبي طلب ابو سخي من الشيخ ان يساعده في حمل الطاولة لوضعها امام عتبة الدار المطلة على الساحة، واحضر كرسيا، وعندما رأى الشباب والشيب المتجمعون في الساحة الشيخ الجليل يرحب "بمعالي الوزير" اقتربوا وشاركوا في الاجتماع. وعندما بدأ ابو الياس بصوته الجهوري يهتك عرض سياسة الحكومة ومظالم الحكم العسكري اشتعل الشباب حماسا، وكان الرضا واضحا على محيا المشايخ الافاضل الذين كانوا يهزّون رؤوسهم علامة الموافقة على كل مقطع من مقاطع خطاب النائب توفيق طوبي التي يفضح من خلالها رذائل سياسة التمييز القومي السلطوية. وقبل انتهاء الاجتماع بدقائق واذا بسيارات البوليس ورجال المخابرات يسدّون منافذ الساحة بوجودهم الاستفزازي، مَشَقَهم ابو الياس وحكومتهم بدَنًا اثار حمية الشباب وهتافاتهم ضد الحكم العسكري، فانقلعوا يجرون ذيل الخيبة.بعد الاجتماع، قال احد المشايخ الافاضل: "ما في الا ذكر الشيطان من قام بالفسدة واحضار البوليس". و "ذكرالشيطان" هذا كان احد اذناب الحكم العسكري، ومن اطلق عليه هذا اللقب هو نسيبه خطيب ابنته، فكلما كان نسيبه يحضر للاختلاء بخطيبته وبالتونّس بالحديث معها كان عمه يقمبز بينهما، عوّف نسيبه سماواته، اشتكى الامر لوالده الى درجة انه اراد فسخ الخطبة، قال لوالده ذكر الشيطان عمي لا يترك لي فرصة الحديث مع خطيبتي حتى انه لو جلست ساعة لا يزحم ويذهب الى "بيت الادب"، زهقت! ووالده لا تنبل الفولة، في فمه انتشرت القصة في البلد واصبح "ذكر الشيطان" الاسم المسمى لهذا العميل.
المهم، بعد هذا الاجتماع الشعبي الاول في ابوسنان، الحاكم العسكري استغنى عن خدمات ذكر الشيطان الذي لم يكتشف سر عقد الشيوعيين للاجتماع ويخبر عنه اسياده، اما الشيوعيون فقد منحهم الاهالي عددا من اصوات ضمائرهم لم يتوقعوها. ومن يومها تخضرّ اوراق الزيتونة المباركة حتى اصبحت جبهة ابوسنان شجرة باسقة تحتضن في ظلها الخيّرين من مختلف عائلات وطوائف القرية والقوة السياسية الاولى في القرية التي تستعد لاحراز نصر جديد للجبهة في الانتخابات القريبة.
- يافة الناصرة مثل ابوسنان والناصرة والطيبة وسخنين، ونحن جميعا على الوعد باهازيج النصر صباح التاسع والعشرين من آذار الربيع الحالي، قال المعلولي بنبرة الواثق من النصر.

د. أحمد سعد
الأحد 19/2/2006


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع