الميثولوجيا او علم الأساطير


إعداد د. منير توما


العنقاء الطائر الخرافي العربي


يقول فراس السّواح أن الأصل قدسي عند الأسطورة وأصل دنيوي مفرغ من الأسطرة عند التاريخ. وكانت النتيجة أنّ الأسطورة تنظر الى التاريخ باعتباره تجلّيًا للمشيئة الإلهية. أما التاريخ فينظر الى موضوعه باعتباره تجليًا للإرادة الإنسانية في جدليتها مع قوانين فاعلة في حياة الإنسان الاجتماعي



الأسطورة في اليونانيةmythos" " (ميثوس). وهي في الإنجليزية Myth (ميت)... وعلى ذلك فإن المعنى في اللغتين هو "الشيء المنطوق". وهناك قرابة بين هاتين الكلمتين وبين كلمة Mouth (ماوث) الإنجليزية التي تعني فما.. فمعنى الأسطورة إذًا هي الكلام المنطوق، أو القول... وهو القول المصاحب للعبادة والطقوس الدينية. وهذا يصبح حكاية حول هذه الطقوس أو حكاية عن الآلهة.
إن كلمة ميثولوجيا تتركب من كلمتين متناقضتين metho و loge في المفهوم، فاللفظة اليونانية metho التي تعني "أسطورة" والتي تنطبق على كل قصة تُروى، موضوع مأساة، أو حبكة ملهاة، أو موضوع خرافة يبدو أنها تتناقض مع كلمة "لوغوس" (logos، علم، حكمة) تناقض التصور (التخيّل) مع العقل.
ويظهر أنه لا يوجد تناقض بين الكلمتين خاصة بعد أن تميزت الأسطورة بالمزج المستمر بين الخوارق والمستوى البشري، بين المعقول واللا معقول.
إن معنى الميثولوجيا هو الكلمة المنطوقة كما ذكرنا آنفًا، وهي الكلمة التي تختص بالآلهة كحكاية عن أفعالهم ومغامراتهم.
يقول فراس السّواح أن الأصل قدسي عند الأسطورة وأصل دنيوي مفرغ من الأسطرة عند التاريخ. وكانت النتيجة أنّ الأسطورة تنظر الى التاريخ باعتباره تجلّيًا للمشيئة الإلهية. أما التاريخ فينظر الى موضوعه باعتباره تجليًا للإرادة الإنسانية في جدليتها مع قوانين فاعلة في حياة الإنسان الاجتماعي.
ويعزو كارل يانغ العالم النفساني الشهير وجود الرموز في الأسطورة الى اللاوعي الجماعي فهي تعبير رمزي عن مشاعر مجتمع ما، وعن رغباته المكبوتة في اللاوعي الجمعي (collective consciousness). ويرى بعض الباحثين أن الأسطورة هي محض قصة أو أنها كل ما ليس واقعيًا لا يصدقه العقل المعاصر لأنها تدور حول حياة الأوثان التي تعتبرها آلهة، أو أنصاف آلهة أو كائنات خرافية تقوم بأعمال خرافية عن مصير الإنسان في الغالب.
وقد عرّف قاموس أوكسفورد كلمة الميثولوجيا بأنها علم الأساطير، وهي تستخدم لتفسير الأحداث الطبيعية وشرح الطبيعة والإنسانية.
أما بشأن الفرق بين الأسطورة والخرافة، فإن الخرافة في معناها هي الحديث المستملح المكذوب، وكلمة " خرافة " جاءت من اسم رجل يدعى خرافة من بني عذرة أو من جهينة اختطفته الجن، ثم رجع الى قومه، فكان يحدّثهم بما رأى ويعجب الناس من كلامه فيكذبونه، فجرى القول بأنه حديث خرافة للدلالة على عدم تصديق ما يقال.
وتختلف الخرافة عن الأسطورة أنّ الخرافة عادة ً يتناقلها الناس بلغتهم الدارجة، بينما الأساطير تُتلى باللغة الفصيحة.
أما العامل المشترك بينهما أن كليهما ذو بنية وحبكة معقّدة متداخلة ولا تتقيد بزمان أو مكان حقيقيين.
لقد قيل أن كلمة "أسطورة" معرّبة عن أصل إغريقي وهي Istorira (أستوريرا) في اليونانية، وكذلك Historia في اللاتينية. وأطلقت عندهم على كتب الأساطير والتاريخ. وقد أخذها الجاهليون قبل الإسلام من الروم بمعنى تاريخ وقصص بسبب وجود رقيق من الروم في مكة كانوا يتكلمون بلغتهم.
بالإضافة الى ذلك فإن بعض الباحثين يقولون أن كلمة " أسطورة " مأخوذة من السريانية حيث أن serto (سرتو) وكذلك sourto بمعنى سطر. وهناك رأي آخر في أنها مشتقة من الإلهة العراقية عشتار أو إستار التي تحولت حكاياتها الى نوع من الحكايات المقدسة فجاءت إسطار، أساطير، أسطورة. وقد استدل الباحثون في هذا الشأن على ذلك بوجود كلمة star (النجمة) الإنجليزية، والنجمة هي عشتار أي كوكب الزهرة.
وكلمة story (قصة) تأخذ أصلها من عشتار لأن الأسطورة حكاية. وقد وردت كلمة أساطير في عدة مواقع في القرآن الكريم من بينها (إنّ هذا إلّا أساطير الأولين: الأنعام 25) أي قصص الأقدمين.


*أساطير عالمية في التاريخ*


هناك عدد كبير جدًا من الأساطير العالمية التي وردت في تاريخ الشعوب، ومن أشهرها أسطورة جلجامش أو البحث عن سر الخلود، تلك الأسطورة الشهيرة في الميثولوجيا العالمية والتي لن نتعرض الى تفاصيلها هنا لمعرفة الكثيرين بأحداثها.
ومن الأساطير الأخرى، هناك أساطير مصر القديمة كأسطورة إيزيس وأوزوريس، وهي أسطورة فرعونية قديمة.. كُتبت حوالي عام (400 ق.م) ولها علاقة وثيقة بالمعتقدات الدينية.. وعبادة الشمس.. وتقديس نهر النيل. وتتلخص الأسطورة في أنَّ أوزوريس كان ملكًا، وكانت إيزيس زوجته وأخته في الوقت نفسه، وقد حقد (ست) أخو أوزوريس على أخيه لمحبة الناس لأوزوريس، فقام (ست) بعمل احتفالية عرض فيها تابوتًا رائعًا يُقدَّم هدية لمن يناسب جسمه في الحجم طولًا وعرضًا، لكن هذا التابوت لم يكن مناسبًا إلّا لأوزوريس فقط من حيث حجم جسده، وبعد أن نام أوزوريس في التابوت أمر (ست) رجاله بخطف التابوت والهرب به ومن ثم تقطيع أطراف أوزوريس التي رمى بها (ست) في وادي النيل.
وبعد أن بكت أيزيس على زوجها كثيرًا، استطاعت أن تبحث عن أشلاء زوجها وأن تجدها بمعونة بعض الآلهة، وبأعمال سحرية تمكنت من أن تعيد الحياة لزوجها أوزوريس الذي أصبح إلهًا بعد بعثه وعودته الى الأرض حيث علّم ابنه (حورس) أن يسانده ضد عمه (ست)، واستطاع بذلك حورس أن يتغلب على عمه ويستعيد عرش أبيه. وقد أصبحت إيزيس ربة القمر والأمومة لدى قدماء المصريين، وعبدها المصريون القدماء والبطالمة والرومان في عصر حكمها لمصر.
وبالرجوع الى الأساطير اليونانية والرومانية، نتطرق الى اسطورة الفتى سيزيف الذي كان أكثر الشخصيات مكرًا بحسب الميثولوجيا الإغريقية.. حيث استطاع أن يخدع اله الموت تانتوس وتكبيله.. مما أغضب كبير الآلهة زيوس.. فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل الى أعلاه.. فإذا وصل القمة تدحرجت الى الوادي.. فيعود الى رفعها الى القمة.. ويظل هكذا حتى الأبد. فأصبح رمز العذاب الأبوي.
ونأتي الى أسطورة (فينوس) وهي آلهة الحب والجمال لدى الرومان. واسمها في اليونانية الألهة أفروديت. وتروي الأسطورة أن فينوس وجونو ومنيرفا قد علمن بوجود تفاحة ذهبية مكتوب على جانبها (للأجمل). وكانت كل واحدة منهن تطمع في الحصول على هذه التفاحة. ولحسم الأمر تقرّر أن يكون رجل اسمه (باريس) قاضيًا بينهن بهذا الشأن، ومن حيث إنهن كنَّ متساويات في جمالهن، لم يستطع (باريس) الحكم بينهن. حاولت جونو استمالته الى جانبها بوعده أن تجعله رجلًا قويًا..أما منيرفا فقد وعدته أن تجعله حكيمًا بينما عرضت فينوس عليه هيلين أجمل نساء الأرض، وبالتالي قضى باريس باختيار فينوس. ولكن لسوء الحظ كانت هيلين متزوجة من شخص آخر.. ولما خطفها وفرّت معه الى طروادة جاء زوجها ورجاله لاستعادتها حيث قتل باريس وجنوده ودمرت طروادة. وعادت هيلين الى زوجها مينلاوس كما جاء في إلياذة هوميروس.
ومن الأساطير اليهودية اسطورة خاتم سليمان، وهو خاتم سحري كان مملوكًا من طرف الملك سليمان الذي أعطاه القدرة على قيادة الشياطين (أو الجن).. أو الحديث مع الحيوانات. وتذكر الأسطورة أنه في يوم من الأيام خلع سليمان خاتمه من يده.. وطلب من زوجته أن تحفظه حتى يدخل الخلاء لقضاء حاجته.. فأتى الشيطان بصورة سليمان وطلب منها الخاتم فأعطته اياه. وعندما خرج سليمان من الخلاء طلب استرداد الخاتم من زوجته، فظنّت أن الشيطان يريد أن يخدعها معتقدة أنها كانت قد أعطته بالفعل لسليمان. وهكذا طـُرد سليمان من البلاط، فعمل صيادًا. وأراد الله بعد ذلك أن يفقد الشيطان هذا الخاتم فوقع في الماء وابتلعته سمكة، اصطادها ذات يوم سليمان، ففتح بطنها لينظفها فوجد الخاتم، فلبسه وذهب وطرد الشيطان من قصره واستعاد ملكه.
وأخيرًا، نختم بأسطورة العنقاء الطائر الخرافي العربي والذي يقال انه بحجم النسر. وهو كائن معمَّر إذ تذكر بعض المصادر أنه يعيش حوالي 500 – 1000 عام. وتربط الأساطير الفرعونية القديمة العنقاء بالتوق الى الخلود. واسطورة العنقاء شائعة في بلاد مصر واليونان والحضارات الشرقية بشكل عام.
وقد أخذت العنقاء اسمها Phoenix اشتقاقًا من كلمة Pheniciens اليونانية وتعني اللون الأرجواني الذي يتميز به الطائر. وتقول الأسطورة بأن هذا الطائر بعد أن يعيش ألف عام يصبح واقعًا تحت عبء الشيخوخة ووهنها المضني.. ثم يأتي الوقت الذي يتعين عليه فيه أن يموت. وهنا يشق طريقه نحو عالم الموتى فيطير باتجاه الغرب وعبر غابات بورما وسهول الهند الى أن يصل الى الجزيرة العربية حيث غابات التوابل والنباتات العطرية. وبعد أن يقوم بجمع بعض الأعشاب العطرية يواصل طيرانه باتجاه ساحل فينيقيا السوري، وهناك فوق إحدى أشجار النخيل السامقة يقيم عشه وينتظر بزوغ الفجر التالي الذي سيعلن موته المؤجّل. وتقول الأساطير القديمة أن العنقاء عندما تقترب ساعة موته يعمد الى إضرام النار في عشه التي يحترق هو في لهيبها. وبعد مرور ثلاثة ايام على عملية الانتحار تلك ينهض من بين الرماد طائر عنقاء جديد.


(كفرياسيف)

السبت 29/11/2014


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع