لماذا اندفع "الدب الروسي" بقوة عسكرية كبيرة ضد جورجيا؟!



اسئلة كثيرة تتردد على الألسن حول الدوافع الحقيقية التي تقف وراء انفجار الحرب، الصدام العسكري بين روسيا وجورجيا حول اوسيتيا الجنوبية؟ لماذا تم اختيار هذا التوقيت لاشعال فتيل انفجار الحرب مع ان الصراع حول مصير اقليم اوسيتيا الجنوبية بدأ ولكن "على النار الهادئة" منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في العام الف وتسعمئة وواحد وتسعين واعلان اقليمي اوسيتيا الجنوبية وابخازيا عن رغبتهما الانفصال عن جورجيا والانضمام الى جمهورية روسيا الاتحادية الفدرالية، كما طالبا مؤخرا بالاستقلال السياسي. وروسيا تتعاطف مع مطالب حرية واستقلال الاقليمين المذكورين، فهل هذا التعاطف الروسي الذي انعكس بوجود قوات روسية لحفظ الامن والسلام في اوسيتيا الجنوبية وانجازيا وتسوية الخلافات مع جورجيا دافعه الاساسي وجود مواطنين روس من ايام الحكم السوفييتي وباعداد كبيرة في الاقليمين، وهو الدافع للتحرك العسكري الروسي الاخير دفاعا وحماية لروس الاقليمين؟ بالطبع ليس هذا هو الدافع الاساسي والجوهري، ولا الخلفية الاساسية للحرب الدائرة اليوم بين روسيا وجورجيا حول اوسيتيا الجنوبية وقد امتدت الى انجازيا حيث بدأت تشتعل النيران هناك ضد جورجيا ومن اجل الاستقلال الوطني!
كانسان متابع للتطورات الجارية في روسيا الاتحادية الفدرالية وباقي جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا اود الاشارة الى مرحلتين متناقضتين من حيث المدلول السياسي في مسيرة تطور روسيا الاتحادية وطابع انظمتها السياسية – الادارية الحاكمة. ففي العام الف وتسعمئة وواحد وتسعين 1991 حدثت في العالم هزتين عاصفتين مدمرتين ترتبطان عضويا من حيث المدلول السياسي ومن حيث التأثير على تغيير طابع التطور والصراع في عالمنا مئة وثمانين درجة! الزلزال العاصف والمدمر الاول انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث استغلت عصابة من اللصوص الانتهازيين مواطن ضعف البناء الاشتراكي وخاصة انتعاش البيروقراطية لتتسلق على درجات سلم المراكز العليا في قيادة الحزب والدولة، عصابة اتضح فيما بعد انها اعدى اعداء الشيوعية وخدام الرأسمالية حتى لو كان الامر ضرب المصالح الحقيقية لشعوب وبلدان الاتحاد السوفييتي، ونقصد عصابة بوريس يلتسين وميخائيل غورباتشوف وشيفارنادزه (رئيس جورجيا الرأسمالية فيما بعد) وباكفليف وعلييف وغيرهم. فما ان تسلموا السلطة في غفلة من الزمن برئاسة الخائن المرتد بوريس يلتسين وغورباتشوف حتى اعلنوا عن الغاء شرعية نشاط الحزب الشيوعي ومصادرة املاكه (استرجعها فيما بعد فشرعيته لم يكتسبها من عصابة المرتدين ، بل من مصداقية منهجه وفكره وسياسته بين الجماهير، وحل الحزب الشيوعي كان المقدمة الاولى للمؤامرة التي قادت الى تفكك الاتحاد السوفييتي بانفصال الجمهوريات واعلان الاستقلال السياسي لكل جمهورية، كما انهارت جميع الانظمة الاشتراكية في اوروبا الاشتراكية. وقد شاءت الصدف المأساوية ان ينفجر زلزال وبركان مدمر في ايلول الفين وواحد، ان يحدث العمل الارهابي المدان في نيويورك وواشنطن الذي استغلته ادارة بوش واليمين المحافظ في "البيت الابيض" الامريكي لتجسيد استراتيجية القطب الاوحد الامريكي بالهيمنة كونيا تحت ستار "محاربة الارهاب" عالميا بواسطة حق القوة والبلطجة العدوانية العربيدة استنادا الى شريعة الغاب المناقضة للقانون الدولي وللشرعية الدولية. وقد استغلت الادارة الامريكية ادعاء محاربة الارهاب لاضعاف قوة روسيا الاتحادية ومنذ ايام حكم المرتد يلتسين.فمن جهة نشط محراك الشر الامريكي والالماني والبريطاني، وخاصة الامريكي لتأجيج الفتن والصراعات القومية والاثنية في الجمهوريات السوفييتية السابقة وفي اقاليم الحكم الذاتي في روسيا الاتحادية وغيرها، ومن ناحية ثانية وتحت شعار محاربة الارهاب نشطت الامبريالية الامريكية بالتواطؤ مع نظام يلتسين باختراق بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة واقامة قواعد عسكرية ومطارات عسكرية على اراضيها وفتح الطريق لتغلغل احتكاراتها النفطية وغير النفطية عابرة القارات، فأقيمت قواعد عسكرية في اوزبكستان وكرغيزستان واذربيجان وتركمانستان وجورجيا. وعمليا استغلت ادارة بوش ضعف النظام الروسي في عهد المرتد يلتسين اقتصاديا وتردي معيشة الشعب الروسي في ظل انتعاش لصوص اقتصاد الظل من الروس والصهيونيين لاختراق روسيا داخليا ولضرب مصالحها عالميا وخاصة في الشرق الاوسط، في العراق المحتل وغيره. وفقدت روسيا في عهد يلتسين هيبتها كدولة عظمى لها دورها المؤثر في الحلبة الدولية، وكمتسول على ابواب المؤسسات المالية التي تسيطر عليها امريكا مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
وقد تفاقمت نقمة الشعب الروسي على سياسة يلتسين ونتائجها المدمرة سياسيا واقتصاديا ومعيشيا ودوليا. وفي عهد الرئيس فلاديمير بوتين بدأت مرحلة جديدة من التطور، ونحن لا ندعي ابدا ان بوتين قاد العودة الى الشيوعية والنظام السوفييتي الاشتراكي، وانما واصل بوتين شق طريق التطور الرأسمالي بصورة متميزة ينشد من ورائها التعامل مع روسيا كدولة عظمى لها مصالحها ودورها في صياغة القرارات المتعلقة بقضايا العالم، تريد روسيا حصة من كعكة المصالح على الساحة الدولية. ومن يلاحق تطور الاحداث في روسيا الاتحادية في عهد بوتين، يلاحظ انه في السنوات الاخيرة، خاصة في الاربع خمس سنوات الاخيرة برزت ظاهرتان اساسيتان ترتبطان عضويا ولهما مدلولهما السياسي الهام، الطاهرة الاولى – انه حدث انتعاش اقتصادي ملحوظ حسن الاوضاع الاقتصادية بانتشال الاقتصاد الروسي من هوة الازمة والركود وحسن الاوضاع المعيشية لاوساط واسعة من البرجوازية المتوسطة والصغيرة الى جانب بروز طغمة قليلة العدد من اصحاب المليارات، انتعاش وتنمية اقتصادية، في ظل تعميق فجوات التقاطب الاجتماعي بين الاغنياء والفقراء. والعامل الاساسي لتحسين الوضع الاقتصادي والانتعاش الاقتصادي يعود الى الارباح الطائلة التي تجنيها روسيا من ارتفاع اسعار النفط والغاز الطبيعي، وروسيا من كبريات الدول المصدرة للنفط وخاصة الغاز الطبيعي في العالم، فأكثر من خمسة وعشرين في المئة من الغاز الطبيعي المستهلك في اوروبا مستورد من روسيا، هذا اضافة الى محاربة نظام بوتين لبعض عصابات الاجرام المنظم ولصوص ومهربي رؤوس الاموال من الروس واليهود الصهيونيين.
ونظام بوتين يدرك من تجربة الاتحاد السوفييتي والدول العظمى التي من الصعب ان تكون عظمى، ان الدولة العظمى لتمارس دورها المؤثر على الحلبة الدولية والذي له وزنه النوعي والكمي عليها ان يتوفر فيها عاملان اساسيان – الجبروت الاقتصادي والجبروت العسكري، فتوفر احدهما بدون الآخر لا يعطي مردوده السياسي المطلوب من حيث التأثير. ونظام بوتين نجح في امرين اساسيين، ان يضرب على الوتر القومي، قومجية الدولة العظمى، وان يقنع شعبه ان الامن القومي الروسي في خطر، ومصالح روسيا عبر البحار في خطر من جراء التهديدات والمخاطر العدوانية الامريكية التي وصلت نيرانها اطراف "العباءة الروسية" منذرة بالاشتعال، ولهذا فان للظاهرة الثانية التي برزت في السنوات الاخيرة تتجسد في تطوير القدرة العسكرية الروسية وفي اندفاع "الدب الروسي" لحماية امنه القومي ومصالحه على الساحة الدولية، فواصل ليس فقط تطوير منظوماته الصاروخية واعادة الطلعات الجدية لطائراته وقاذفاته، بل يعمل على ويحاول اعادة مواقعه المفقودة واقامة تحالفات اقتصادية وامنية وعسكرية لمواجهة الاذرع الاخطبوطية للعدوانية الامريكية والحلف اطلسية.
لقد تعلمت روسيا من ضربة كوسوفو التي استقلت اسما ولكنها وقعت في قبضة الهيمنة الامريكية – الاطلسية ان الاستراتيجية الامريكية الكونية لا يؤتمن جانبها وقد اصبحت قواعدها على الحدود مع روسيا. ولهذا عقدت روسيا حلفا دفاعيا اقتصاديا – امنيا مع الصين ومع اذربيجان وكازخستان وطاجكستان، ومع دول جوار بحر قزوين عقد تحالفا يمنع الاختراق الاجنبي ويطالب بتصفية القواعد العسكرية الامريكية المتواجدة في اوزبكستان وقرغيزستان وغيرهما. ومقابل التهديد الامريكي والحلف اطلسي باقامة قواعد الاذرع الصاروخية الامريكية في اراضي التشيك ونصب الرادارات العسكرية الامريكية في بولونيا على الحدود على روسيا فان روسيا تحاول الضغط وبمختلف الوسائل السياسية والدبلوماسية لازالة هذا التهديد، وقد اوصل التعنت العدواني الامريكي بالنسبة للاذرع الصاروخية ان بدأت تتسرب انباء عن احتمال اقامة قواعد عسكرية روسية في ميناء طرطوس السوري وقواعد لمنظومات صاروخية في كوبا وفنزويلا وغيرها. وما يحدث اليوم من صراع وحرب دموية بين روسيا وجورجيا حول اوسينا الجنوبية دافعه الاساسي الذي دفع "الدب الروسي" الى الاستفزاز واللجوء الى القوة العسكرية، دافعة الاساسي يرتبط بحماية الامن القومي لروسيا الاتحادية والدفاع عنه. فروسيا كانت تحاول حل الصراع بين اوسيتيا الجنوبية وانجازيا من جهة وبين جورجيا من الناحية الثانية بالطرق السياسية السلمية التي تأخذ بالاعتبار احترام ارادة وخيار شعبي اوسيتيا الجنوبية بالانضمام الى داغستان (اوسيتيا الشمالية) والاستقلال واحترام ارادة ابخازيا بالاستقلال دون الاضرار بالمصالح الوطنية لجورجيا. ولكن نظام جورجيا المدجن امريكيا وبالتنسيق مع دوائر الاطلسي والادارة الامريكية اراد اعادة سيناريو كوسوفو بحل قضية اوسيتيا بالقوة، بالعدوان العسكري رغم وجود قوات حفظ السلام الروسية في اوسيتيا الجنوبية. وقد اثار هذا الاستفزاز روسيا الذي اعتبرته جزءا من المخطط المنسوجة خيوطه في "البيت الابيض" باحتلال اوسيتيا الجنوبية عسكريا لكسر شوكة روسيا وكمقدمة لخلق واقع جديد يسمح بدخول جورجيا الى عضوية الحلف الاطلسي العدواني الذي تعارضه روسيا لأن جورجيا المتاخمة لحدود شمال القوقاز الروسي العضو في الحلف الاطلسي يهدد الامن القومي الروسي، كما يهدد المصالح النفطية الروسية في منطقة بحر قزوين والبحر الاسود. ولهذا ليس من وليد الصدفة هذا الاصرار والعزم الروسي العنيد لتحطيم ودفن العدوان الجورجي على اوسيتيا الجنوبية الذي اشبه ما يكون بحرب ابادة ضد شعب هذا الاقليم، كما انه ليس من وليد الصدفة سرعة التحرك الامريكي والاوروبي الحلف اطلسي المطالب بانقاذ حليفه المدجن جورجيا من الضربات الروسية دون قيد او شرط والتهديد باساءة العلاقة مع روسيا اذا استمرت الحرب.
لقد اكدنا دائما اسفاف وعدم صحة جميع الادعاءات انه بانهيار الاتحاد السوفييتي انتهت "الحرب الباردة" والصراع الايديولوجي والطبقي، اكدنا دائما ان شكلا من اشكال الحرب الباردة والصراع قد انتهى، ولكن وهذا ما يكتبه التطور المعاصر انه في غياب العدالة وهيمنة الظلم عالميا تنشأ اشكال جديدة من الحرب الباردة والصراع الطبقي والصراع الايديولوجي في ظل عدم الاستقرار عالميا.

د. احمد سعد
السبت 16/8/2008


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع