صفحات مضيئة من التاريخ النضالي للقائد الشيوعي العريق
نــصــري الــمـــــر

حتى في مماته أبى الا ان يكون مرتبطا عضويا بالعلم الاحمر الكفاحي، علم الطبقة العاملة والتضامن العمالي العالمي. فقد ودع هذه الدنيا في نفس اليوم الذي كان فيه رفاق دربه يرفعون فيه الاعلام الحمراء في ناصرة الكفاح والتقدم، في المظاهرة الجبارة بمناسبة الاول من ايار عيد العمال العالمي التي جرت يوم السبت الماضي. لقد انتشر الخبر بسرعة البرق بين الرفاق والمتظاهرين، الرفيق نصري المر (ابو انطون) اعطاكم عمره ودفنه سيكون عصرا بعد انتهاء المظاهرة. وقد تأثر كل من سمع هذا النبأ المفجع، فلأبي انطون مكانة خاصة في قلوب الشيوعيين والوطنيين التقدميين، فهو جزء عضوي من التاريخ النضالي المشرف للشيوعيين في هذه البلاد، فأبو انطون شيوعي مخضرم وعريق، حمل الراية الشيوعية من خلال "عصبة التحرر الوطني" في سنوات ما قبل النكبة الفلسطينية وواصل رفعها من خلال الحزب الشيوعي الاسرائيلي طيلة سنوات ما بعد النكبة وحتى وفاته. والرفيق نصري المر احد جذور الشجرة الشيوعية دائمة الخضرة ربى مع رفاقه اجيالا من الشيوعيين في بلده عبلين، فهو من مؤسسي الفرع وقائده سنوات طويلة، وفي منطقة الناصرة وشفاعمرو وفروعهما حيث كان من ابرز قادتها. عظمة ابي انطون وتميزه كانا في تواضعه الشيوعي وفي تحزبه الذي لا يعرف الحدود لفكر وسياسة الحزب وتفانيه في الدفاع عنهما. وحتى عندما انفجرت الزلازل وهبت العواصف المدمرة على الحركة الثورية والتقدمية العالمية بانهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي والانظمة الاشتراكية لم يهتز موقف نصري المر الفكري والسياسي! ولم تتزعزع قناعته الواعية بالفكر الطبقي الثوري الماركسي – اللينيني.
في منتصف التسعينيات بادرت الى اصدار كتاب "جذور من الشجرة دائمة الخضرة" وذلك بهدف صيانة وتخزين جزء من التراث والتاريخ الكفاحي الشيوعي ليكونا زوّادة الطريق للاجيال الصاعدة من المناضلين وسلاحا مشهرا في وجه مزوّري التاريخ النضالي في بلادنا. ولجأت في كتابي المذكور بتوجيه اسئلة الى المخضرمين الشيوعيين العرب واليهود، بحيث ان كل جذر من جذور الشجرة يتحدث عن تاريخ مسيرته الكفاحية. وكان ابو انطون من جذور هذه الشجرة المباركة، فتحت عنوان "تعمّدت في عراك العمل والكفاح"، أترك نصري المر يتحدث اليكم، يقول ابو انطون ما يلي:
* تعمّدت في عراك العمل والكفاح
أنا نصري انطون المر، ابن قرية عبلين الجليلية ولدت في 30-6-1920 لعائلة فلاحية متوسطة الحال. لم يسعفني الحظ، اذ توفيت والدتي عام 1924 ووالدي توفي عام 1930، فاصبحت في صغري بدون أب او ام. وانتقلت الى حيفا لاعيش في بيت دار عمي.
انخرطت منذ الصغر في صفوف الطبقة العاملة حيث تعلمت مهنة النجارة التي درستها وتمرنت عليها من سنة 1933 الى سنة 1939، وكانت مهنتي في العمل. وفي العمل تعرفت على الرفيق خالد الذكر، جمال موسى، الذي عملت واياه في النجارة، وكان مثلي ابن قرية، وعلى اخيه نديم موسى.
لم اكن اعرف عن الحركة الشيوعية أي شيء، باستثناء بعض الكلمات التي كنت التقطها في اماكن العمل من بعض العمال اليهود الشيوعيين. ولم اكترث لها، لاني كنت في البداية، على السليقة، من  مؤيدي الحركة الوطنية الفلسطينية بزعامة المفتي، وكنت اشارك في النشاطات التي تنظمها النوادي التابعة لهذا الاتجاه.
اول مرة تعرفت فيها جديا على الحركة الشيوعية كان سنة 1941 ابان اعتداء المانيا الفاشية على الاتحاد السوفييتي. وكان يزودني بالمعلومات عامل شيوعي يهودي اسمه "جرشون" منه بدأت تتبلور في مداركي ماذا تعني حقا الحركة الشيوعية، وما هي الطبقة العاملة والصراع الطبقي، وما هو الاتحاد السوفييتي.
تزوجت عام 1943، وكان ببيتي "بيتي على ظهري على"، متنقلا من حي الى حي في حيفا. وكان حظي ان سكنت جارا للرفيقة المرحومة بنينا فاينهاوز (من قدامى وقياديي الحزب الشيوعي الفلسطيني – أ.س)، التي لها الفضل في بداية تعميق وعيي وتعرفي على المبادئ الشيوعية. وعن طريقها كنت اقرأ الصحف الشيوعية في ذلك الحين، مثل جريدة الحزب الشيوعي العراقي (القاعدة). وبدأت تجذبني القراءة مع انني لم أنهِ سوى الصف الرابع الابتدائي. وبواسطة الرفيقة بنينا تعرفت على نادي الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان في شارع "هرتسل – 59"، وكنت ارافقها الى هناك بين حين وآخر، وخاصة في المناسبات.
واتذكر انني شاركت معهم في مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1943 في حيفا، شعارها المركزي الطلب من امريكا وبريطانيا "فتح الجبهة الثانية" ضد الحكم الهتلري. وبدأت بشكل منتظم اقرأ الصحف الشيوعية من السودان ومصر والعراق وسوريا وايضا مجلة "الغد" الفلسطينية التي كانت تصدر باسم الطلبة والمثقفين العرب اليساريين.
عن طريق الرفيقة بنينا علمت انه اقيم تنظيم شيوعي عربي اسمه "عصبة التحرر الوطني الفلسطينية". وعلمت ان العصبة كانت تنظم دورات ثقافية مفتوحة مساء كل يوم اربعاء وذهبت الى هناك، ولم اعرف احدا. وكان في الغرفة اربع الى خمس كراسي خشب. وبدر الى ذهني انني ادخل الى مقر برجوازي. وكانت هنالك طاولة مغطاة بشرشف احمر، وكان عدد الحضور عشرة شخاص. وبعد جلوسي قدم لي احد الاشخاص الشاي، واردت ان ادفع ثمنها، الا ان النادل قال لي، ان الشاي على حساب الرفيق جمال موسى، التفت فوجدته جالسا خلفي.
واظبت التردد على الاجتماعات الاسبوعية في نادي "درج الموارنة" مقر العصبة، والى اليوم مقر الحزب الشيوعي لمنطقة حيفا. وبعد ثاني اجتماع اعتبرت نفسي شيوعيا. وكانت تنظم في النادي محاضرات عامة واذكر من بين المحاضرين طيبي الذكر: فؤاد نصار واميل توما والمحامي حنا نقارة والشاعر ابو سلمى، وكذلك اميل حبيبي وغيرهم. وبدأ فكري ينصقل اكثر. ومرة جاءني الرفيق جمال موسى طالبا مني ان انتظم في العصبة. وقلت له، انني منظم، لكنه شرح لي مبادئ التنظيم الشيوعي، والخلية والكادر. وقدمت طلب انتساب الى عصبة التحرر الوطني في مطلع 1945.
وانتسبت الى خلية "عمال المعسكرات". حيث كان مكان عملي في النجارة. وذهبت للعمل في اليوم التالي بصفتي عضوًا شيوعيا، وكان في مكان العمل بعض الشيوعيين، اذكر منهم، الرفيق احمد من بلدة "جبع" والرفيق عبد الرحمن حنوني، من بلدة "زرعين" وفي حينه كانت تجري معركة انتخابية في المعسكر لانتخاب لجنة عمال، وكانت المنافسة بين "جمعية العمال العربية الفلسطينية" التي كان يقودها سامي طه و "لجنة العمال الفلسطينية" التي كان يقودها الشيوعيون.
وتعرف الرفاق علي، وطلبوا ان اصوت لمرشحي الحزب عن النجارين البالغ عددهم في المعسكر(110 نجارين). وثاني سنة انتخبت من قبل الرفاق للجنة عمال النجارة في المعسكر، وبدأت الكفاح النقابي والتعرف على الحركة العمالية وتوزيع جريدة الحزب "الاتحاد" (22 عددا) في مكان عملي.
وكنا نوزع "الاتحاد" كل يوم احد (كانت اسبوعية). ولم اكن اعرف جيدا رئيس تحرير "الاتحاد" اميل توما، مع اني كنت استمع الى جميع محاضراته. مرة، وانا اوزع "الاتحاد" مررت على مجموعة من الشباب تلبس "افرنجي"، وجالسة في مقهى. تقدمت منهم عارضا "الاتحاد" وقلت صحيفة الطبقة العاملة. تقدم مني شاب طويل القامة، وسألني اتوزع "الاتحاد" اعطني عددا، فناولته، فضحك اصحابه، وسألوني، اتعرف من هذا؟ انه اميل توما، محرر الصحيفة التي تبيعها، وفرحت بهذه المعرفة. واتذكر انه عندما كنا نوزع "الاتحاد" كان البعض يأخذها، ولكننا كنا نتعرض للشتائم من بعض آخر. وكنا نوزع الاتحاد، المرحوم جمال موسى والمرحوم عصام العباسي وانا.
وفي تلك الفترة تنظم ثلاثة من قريتي في فرع عصبة التحرر الوطني في حيفا وديع خوري، تنظم بواسطتي، والرفاق انيس زهران وفوزي الحاج بواسطة الرفيق جمال موسى. وبقينا سوية نشارك في النضالات والاضرابات التي شهدتها المعسكرات، وكانت علاقتي جيدة مع العمال. ولم أنحرف الى "الطريق العوجا". بل التهيت بالقراءة والتثقيف الذاتي والمشاركة في المعارك النضالية كشيوعي. ويعود الفضل لعمي ابو حنا الذي قال "بدي اطلع من خطيته واعلمه صنعة" فيما اقترح عليه البعض! في حينه، ان يقذفني الى قهوة او خمارة للعمل.
مرة كنا في الجمعية (لجنة عمال المعسكرات)، وكان الرفيقان محمد علي حيدر والرفيق طيب الذكر حسن حامد خطيب يعملان في "معسكر غزال". وكان دوري ان اخطب في اجتماع العمال هذا، فبدأوا يصفقون لي، لانني من بلدهم "عبلين" ويشجعونني مع انهم لم يفهموا شيئا مما قلته.
بقينا في حيفا حتى صدور قرار التقسيم عام 1947، وثالث يوم بعد هذا القرار بدأت "المعارك القومية" وانتقلت الى عبلين، وكذلك الرفاق وديع خوري وانيس زهران وفوزي اسكندر حاج. وهكذا انوجد في عبلين اربعة رفاق شيوعيين.
انقطعنا عن حيفا، وحين سقطت بأيدي اليهود عام 1948 وبدأت العملية المنظمة لترحيل عرب حيفا عن مدينتهم اصدرت عصبة التحرر الوطني منشورا يدعو الاهالي الى البقاء وعدم الرحيل حتى لا نخسر الوطن. اُرسل لنا المنشور عن طريق عكا واحضره الرفيق فوزي اسكندر حاج. وزعناه في عبلين (واحتفظ بنسخة منه)، وبعد هذا النشاط، قمت بدعوة الرفاق الاربعة وقلت لهم: نحن شيوعيون ولا يمكن ان نكون غير منظمين، واجتمعنا في دار الرفيق انيس زهران، ورشحت الرفيق انيس سكرتيرا للخلية، لكن الرفاق اجمعوا على انتخابي سكرتيرا. وبدأنا العمل المنظم في عبلين. وبناء على قرار العصبة، قمنا بالشرح للناس بعدم الرحيل وعن ابعاد المؤامرة ضد الشعب العربي الفلسطيني، فوزعنا المنشور الذي اصدرته الاحزاب الشيوعية العربية الذي يعترف بقرار التقسيم ويفضح المؤامرة الامبريالية – الصهيونية – الرجعية العربية ضد الشعب الفلسطيني. ارسل لنا هذا المنشور، بشكل سري، الرفيق جمال موسى، وزعناه سرا، وكان كل نشاطنا في البداية سريا، وكانت قوى في عبلين تقاومنا وحتى تهددنا بالقتل.
واذكر نادرة حدثت لي عندما وصل قائد "جيش الانقاذ" وكان عراقيا، حققوا معي، لاني كنت اُتهم بأنني جاسوس لليهود. واتضح لي انه يلم ببعض المعلومات عن الحزب الشيوعي العراقي، وعما جرى. عندما عرف انني عضو في عصبة التحرر الوطني قال لي: "من اتهمك تيس لا يفقه شيئا".
واطلق سراحي.
وقمت بربط علاقات مع الشباب والدعوة الى الانتساب للحزب، مع ايليا توفيق خوري، فايز حاج وايليا ناصر وقاسم عثمان وطلب الراغب النجمي. واول رفيق انتظم في صفوف الحزب كان الرفيق محمد علي حيدر (ابو عيسى) وبعده الرفيق مرشد صالح سليم (ابو صالح).
في 14 تموز 1948 اعتقلوا (80) شابا من عبلين بحجة انهم جنود في جيش الانقاذ، وهم في الحقيقة فلاحون بسطاء. وحالا بدأنا ننشط لاطلاق سراحهم ودعوة المشردين العودة الى ديارهم انا شخصيا قمت، مشيا على الاقدام، بالذهاب الى حيفا (شهر 10/1948)، عند بدء سقوط الجليل الاعلى، للتشاور مع العصبة، خاصة وان جميع رفاقنا من الشمال كانوا في المعتقلات، وكان في حينه يجري الاعداد لانتخابات الكنيست التي اقرت للعام 1949. اتصلت بالرفاق توفيق طوبي واميل حبيبي وزاهي كركبي. قدمت تقريرا عن الوضع. وطلب مني الرفيق توفيق طوبي العودة الى عبلين حالا، وتسلّلم دورك، خاصة وان جميع الرفاق في المعتقلات، وان الحزب قرر تفرغك للعمل السياسي كمحترف. وعدت الى عبلين وبدأت النشاط كمحترف للحزب والاعداد للانتخابات الاولى في 1/1949.
وتسلمت مهمة العمل الشيوعي في عبلين وشفاعمرو وطمرة وكابول لاقامة خلايا وفروع للحزب فيها. وفي شفاعمرو عملنا، الرفيق زاهي كركبي وعبد احمد شحادة وانا لتأسيس اول خلية شيوعية، في طمرة اتصلت بأنيس ابو رومي، وفي كابول عن طريق نشاط محامي الارض، حنا نقارة، الذي كان يدافع عن قضية مصادرة اراضيهم.
في طمرة كان انيس ابو رومي ينشط وحده، وكانت المقاومة للشيوعية من بعض العائلات التي كانت تسيطر على القرية، وكنت "أتسلل" الى القرية من جهة الشرق.
بدأنا نشاطنا دفاعا عن حق اقامة دولة فلسطينية مستقلة وفقا لقرار التقسيم، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتحصيل حق المواطنة للمواطنين العرب الذين لم يكونوا مسجلين. وحدثت العديد من النوادر في خضم نشاطنا الكفاحي. مرة اتهموا المرحوم الرفيق علي حيدر ان عنده سلاحًا وعليه تسليمه. بدأوا بتهديده حتى يعترف، وكيف يعترف من لا يوجد لديه سلاح. صعد به المحقق الى سطح احد البيوت وهدده الجيش الاسرائيلي برميه من على السطح، امسك علي حيدر بالمحقق(كتّفه) وقال، تفضلوا ارموني سوية مع المحقق. وفي حينه كنت احتج صارخا باعلى صوتي: اتركوه يا فاشست، حتى اطلقوا سراحه، ولم يعترف علي حيدر. وتصديت ورفاقنا لمؤامرة الترحيل ونظمنا المظاهرات دفاعا عن حق البقاء.
بعد سقوط الجليل الاعلى واصلنا نشاطنا المنظم واقامة الفروع. وكنا في التقسيم الحزبي ضمن اطار منطقة حيفا، ومن قرى شفاعمرو وعبلين وطمرة وكابول شكلنا القطاع الحزبي – "قطاع القرى" وانتخبت سكرتيرا للقطاع. واقمنا فروعا جديدة بمساعدة وتوجيه الرفيقين جمال موسى وزاهي كركبي، وانتخبت لعضوية لجنة المنطقة.
وبقينا في هذا العمل حتى عام 1958، سنة العاشورة (10 سنوات على قيام اسرائيل) ومعركة الناصرة. لم نشترك في مظاهرة الناصرة لاننا من منطقة حيفا. طلب منا الحزب المشاركة في مظاهرة اول ايار في الناصرة (1958)، ولكن البوليس منعنا من الدخول الى الناصرة والمشاركة في المظاهرة. في حينه توجه الي الضابط حنا الشايب وقال: لا فائدة من ضغطكم الناصرة مغلقة. الرفيقان محمد علي حيدر ومرشد سليم ارادا اقتحام الحواجز ومواجهة الشرطة حتى يسمح لنا بدخول الناصرة. لم نرجع بل ذهبنا مشيا على الاقدام الى شفاعمرو ووصلت اخبار الاعتداء البوليسي على مظاهرة الناصرة والتصدي البطولي للعدوان، فعقدنا في الحال اجتماعا شعبيا احتجاجيا وقدمنا عريضة استنكار الى مركز البوليس.
عام 1962، وبعد انضمامنا الى منطقة الناصرة، انتخبت في المؤتمر عضوا في لجنة المنطقة وسكرتاريتها وسكرتيرا لقطاع شفاعمرو – البطوف من دير حنا حتى شفاعمرو، وفتحنا فروعا جديدة في كوكب ابو الهيجاء وكفر مندا، وشمل نشاطنا العمل بين العرب البدو في المنطقة.
في سنة 1960 عينت وزارة الداخلية مجلسا معينا في عبلين، حرمتنا نحن الشيوعيين من عضويته. كنا ضد التعيين، ولكننا تعاونا مع المجلس المعين خدمة لمصالح اهالي القرية.
وفي العام 1965 كنا في الجبهة الشعبية التي اقامها المرحوم طيب الذكر يني يني رئيس مجلس كفر ياسيف المحلي سابقا. وانتسب الى عضويتها عدد كبير من عبلين، منهم المرحوم صالح سليم (ابو مرشد) والمرحوم ايليا نشاشيبي، والمرحوم علي حيدر، والمرحوم ابراهيم الياس اسعد. وكان لنا، نحن الشيوعيين دور هام في كل نشاطاتها.
وكان لنا دور في المعركة ضد "الهوية الحمراء" التي كانت بمثابة شهادة للترحيل من قبل الحكم العسكري وحكومة اسرائيل. واول استجواب قدمه النائب الشيوعي الرفيق توفيق طوبي في كنيست اسرائيل كان لشخص من عبلين، المرحوم نعيم عبد النجمي. كان معه هوية، اخذوها منه و "كبّوه" الى ما وراء الحدود، فعاد الى وطنه "متسللا" اتصل بي، فاتصت بالرفيق توفيق طوبي وابلغته أنه كان معه هوية واخذوها، فقدم استجوابا لاصدار بطاقة هوية تثبت حقه الشرعي في البقاء على ارض وطنه، ونجح توفيق طوبي في ذلك.
اشتركت في مؤتمر الوحدة بين الحزب الشيوعي الاسرائيلي (الرفاق اليهود) وعصبة التحرر الوطني، الذي انبثق عنه الحزب الشيوعي الاسرائيلي في 10/1948، والذي عقد في سينما "ماي" بحيفا ولكن بقينا لمدة نعمل في عبلين وفي غيرها من المناطق، التي كانت خارج حدود اسرائيل كما حددها قرار التقسيم، باسم عصبة التحرر الوطني. وشاركتنا في انتخابات الكنيست الاولى معتبرين انفسنا كعصبة تحرر وطني.
اشتركت في كل مؤتمرات الحزب من المؤتمر الـ 11 حتى 22 (في المؤتمر الـ، 22 تسجلت ولم احضر).
* بعض الملاحظات والنوادر
- اول انتخابات حققنا فيها 30% من الاصوات في عبلين ليس فقط بنشاطي وحدي انما ايضا بجهود ودور رفاقنا في عبلين.
مثلا: عند اعتقال (80) شابا من عبلين في 2 آب 1948 فرضوا طوقا على عبلين بحجة اتهامهم انهم في الجيش (جيش الانقاذ العربي) وخططوا اخذ معتقلين، بعدما اقاموا في عبلين لجنة عسكرية تشرف على البلد، واحد من الروم، الخوري ابراهيم سليم، وعن الكاثوليك سليمان زيدان، وواحد عن الاسلام الشيخ علي خطيب. وبدأوا يدعون المواطنين واحدا واحدا ويسألونه عن اسمه او مسلم او مسيحي. والمعتقل يرافقونه للباص بالضرب والاهانات، طبعا اللجنة ساعدت البعض منهم بشارة عبيد، واولاد عمي اعتقلوهم وجاء الدور لي ودائما يبدأون بالتحقيق معه دينك.. مسلم ولا مسيحي وشو اسمك انا سألوني اسمك نصري المر دينك مسلم او مسيحي قلت له ليس لي دين انا عضو في الحزب الشيوعي الاسرائيلي (وهذا بناء على قراءتي في الجريدة حول المفاوضات بتوحيد الحزب آنذاك) استغربوا، اول مرة يجدون في هذه القرية واحدًا يتحدث هكذا وبدأوا يتحدثون بالايدش وقرروا اعطائي تصريحا تحت اسم حامية عبلين ومن هنا تخلصت من الطوق وثاني يوم نظمت مظاهرة لاطلاق سراح المعتقلين من اهالي المعتقلين امهات وآباء لم يعتقلوا: منهم: روحية ادريس، زوجة احمد الحسن (ام غازي)، ابو جريس اليعقوب، ابو سليم الجرجورة، الياس الجرجورة، قلت لهم روحوا صيحوا ليطلعوا اولادكم في مقر اللجنة العسكرية (في دار ناصر داود) ولكن طلع الشيخ الخطيب وهمدهم وتعهد لهم باطلاق سراحهم.
وفي اليوم التالي بدأت اشتغل لاطلاق سراحهم، واتصلت بالاتحاد حيث بدأت النشر بالاتحاد واول عدد وصل لعبلين من الاتحاد كان سنة 1948 ووصلنا (10) عشرة اعداد، ووزعناها كلها، واصبح عندنا نشاط آخر – توزيع الاتحاد، كانت اسبوعية. بعض الزعامات العربية بدأت تشتغل لفتح دكاكين للمؤن (القهوة والسكر والرز) لتوزيع الاغذية. وبدأت اهاجمهم، اكلوا حق الناس، "كيلة الكاز كانت تباع بليرة"، وبدأت اقاومهم، واظهر عن طريق هذه النضالات الصغيرة، وافضح استغلالهم، واحارب الانتقامات الشخصية، مثلا دار الحاج كانوا معنا، وكنت اعمل معهم وهذا ادى ان اخذنا 30% في اول انتخابات، وان المعتقلين يوجهون اهلهم للتصويت لنا بسبب دفاعنا عنهم.
كانت محاولة لترحيل كفر مندا لتنفيذ مشروع البطوف (المشروع القطري). صار احتجاج في كفر مندا، ووصل الخبر لعبلين، وللتضامن معها تجولنا في شوارع القرية الساعة التاسعة ليلا نصيّح: انقذوا كفر مندا من المؤامرة، ودعنا الاهالي، وتجاوب الاهالي وذهبنا لكفر مندا، مثلا دار شيخ احمد لهم قرايب اشتركوا معنا حتى افشلنا المشروع.
وعن طريق "القَرعة" الفارغة كان الرفيق محمد حيدر يدعو الجماهير للمشاركة في عملية التضامن.
* حول الهويات:
ايليا التوفيق "كبّوه" الى جنين، كان هناك قسائم واعلانات انه في اليوم الفلاني سيجري توزيع الهويات، وكل واحد يقدم قسيمته ليأخذ الهوية، فرحت آخذ قسيمته واخذت هويته وارسلت له ان يعود لان معه هوية.
اعتقلت اول مرة بعد الاحتلال سنة 1948 بيومين، يوم واحد فقط وانا اصيح فاشست ونازية وصلنا "لابو مسنسل" واطلقوا سراحي ثاني يوم، واعتقلت عدة مرات وحوكمت، وكنت اعود واشترك في الاجتماعات الشعبية، وكنت ازور اغلب الفروع مشيا على الاقدام. سنة 1967 ارادوا اعتقالي وكانت التوجيهات عدم تسليم انفسنا وكنت انام خارج الدار حتى سقطت مصر واستقال عبد الناصر واعتقلوني 10 ايام ولم اسلم نفسي وضاعفوا المدة، واعتقلت وسجنت في الجلمة والدامون.
وقبل يوم الارض اعتقلت احتياطا لانه اقمنا لجنة وعقد اجتماع شعبي في شفاعمرو، تحدث فيه كثيرون من الناس، تحدث فيه الخوري من عبلين، ورئيس المجلس المحلي آنذاك كان راشد سليم، وعدت وفي الصباح اعتقلني البوليس، واقمنا لجنة احتياط اخرى حين اعتقالنا، واخذونا لكرمئيل و "يوم الارض " حدث وانا في السجن، وبعد يوم الارض اطلق سراحي.
* انتخابات سنة 1959
كان الهجوم الكاسح على الشيوعيين بقيادة الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) بقيادة المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر، وترشح سنتها من منطقتنا يوسف العبد، من دار ذياب وقد اشتغل بالانتخابات واقنع الناس "دار دياب عائلة كبيرة وعريقة، مسيطرة على المنطقة، والهجوم على الشيوعيين من الحركة الوطنية العربية القطرية، "كتفنا"، ولكن في عبلين لم نرمِ سلاحنا، وبقينا "نخابط" حتى حافظنا على نسبتنا وكل القرى نزلت فيها النسبة وفي الكنيست نزلنا من 6 اعضاء الى 3 اعضاء، وبلدية الناصرة من 6 اعضاء الى 3 اعضاء، لماذا حافظنا على نسبتنا في عبلين؟ هذا نتيجة لنشاطنا وعلاقتنا مع الناس، وانا لست خطيبا ولا شاعرا ولا اديبا ولا كاتبا انما شغيل بين الجماهير الشعبية من فلاحين وعمال. اوثق العلاقة المباشرة معهم واطرح مشاكلهم وقضاياهم اليومية.
في الفروع لم اكن اعود للبيت انما كنت انام عند الرفاق، ونربط علاقات مع اقارب الرفيق، ومع عائلته، مع اولاده، وفي كل الفروع من دير حنا، عيلبون، المغار، سخنين، عرابة، كوكب، شعب، كابول، شفاعمرو، عبلين وطمرة، كانت لي علاقة عائلية حميمة وليس سياسية فقط، لانني كنت ابقى عندهم، مثلا كنا نعقد اجتماعات يوم السبت ليلا في دير حنا، وننظم اجتماعا في عرابة نهارا وانزل من دير حنا لعرابة مشيا على الاقدام، واتدرج مشيا من عرابة لسخنين، وثاني يوم اركب في باص سخنين – عكا، ومفرق الجلزون انتظر سيارة تقودني باتجاه عبلين، وهناك نادرة حدثت لي في هذا المكان، في الانتخابات الاولى رشحت في قائمة الحزب للكنيست في المكان بين 50 – 60، وفي تلك الفترة كان التجول ممنوعا بدون تصريح، ووصلني تصريح من تل – ابيب عن طريق ميكونس، التصريح شهري ومكتوب عليه نصري انطون المر، مرشح للكنيست، وكان الواحد بالقوة يأخذ يوما او يومين، فاحمله معي وعندما التقي بالجيش ويسألني "وين التصريح" فأعطيه اياه ويقرأ: مرشح للكنيست، ويتركونني.
اريد ان اؤكد، كل الذي تحدثت عنه ليس الفضل لي وحدي بل لمنظمتنا وللرفاق جميعا، رغم مركزي كقائد في المنطقة كانت الطاعة حديدية لدينا ومن وقتها حتى 1985 بقيت محترفا وحتى في جيل 76 ما زلت "اقاتل" من اجل مصلحة الحزب واهدافه.
مرة بعد اعتقال الشباب استدعاني ضابط عبلين في دار ناصر داود في غرفة صغيرة، سكّروا علي، المسؤول مع مرافق له، وبدأوا بسؤالي، اسمك؛ نصري المر، سياستك، سياستي نوافق على قرارات هيئة الامم المتحدة، وانتم محتلون، لماذا تعتدون علينا، ورد الضابط: فن الحرب، ان احسن دفاع هو الهجوم، وجئنا هنا عندكم خوفا من الجيوش العربية. وطلب المساعدة مني (ان اكون عميلا)، وان افسد على من عنده بارودة، وقاموا باغرائي العمل معهم، وان افسد عن من يقاوم اليهود، فقلت لهم عملي سياسي وليس عملي "فسّاد".
عند تشكيل اللجنة العسكرية وعبلين كانت مشهورة بالعنب، وكان التجار اليهود يأخذون كيلو العنب بقرش، اقمنا جمعية تعاونية زراعية لتصريف المحصول من الفلاحين، لان الفلاحين تضايقوا، والهستدروت كان عندها سوق وقاومتنا، وسافرت الى حيفا وتعاقدت مع السوق فيها، لتوريد الخضرة لحيفا، واعطانا حق التصدير والتسويق والتصريح، واول من عمل في الجمعية الرفيق محمد علي حيدر، عمل سنة، وسوقنا المنتجات لحيفا، ومنها العنب، واشتغل ايضا جريس ناصر، "زهقوا" اشتغلت انا واخذت "اذن" من الحزب لاني محترف واصبحت اورد الخضرة، وعملت سنة كاملة، ونورد الخضرة للسوق، ومن قرش اصبح السعر 30-40 قرشا. بعد سنتين ثلاثة تشكلت جمعيات الري وزراعة الخيار في عبلين، كيف تشكلت الجمعيات؟ جمعت الفلاحين، وبعض رفاقنا كانوا فلاحين، ارادت "مكوروت" في حينها ايصال خط المياه "لكريات آتا" من اراضي اهالي عبلين، ففرض الفلاحون على شركة "مكوروت" اعطاء الفلاحين فتحات مياه. فأعطوا 3 فتحات رئيسية لعبلين وحول كل فتحة ماء تشكلت جمعية تعاونية وكان دور رفاقنا الفلاحين كبيرًا في ذلك مثل الرفيق مرشد سليم واخيه راشد سليم.
وبعدما صار المطلوب تسويق منتج الخيار، وكان التسويق للسوق حتى لا يقعوا تحت استغلال التجار. طلبت اذنا من الحزب لمدة 3 اشهر لتسويق الخيار، ولم يضعف نشاطي الحزبي لان الرفاق في المنطقة كانوا دائما يزورونني للتخطيط والتشاور.
* حول الجمعية التعاونية في عبلين
الجمعية التعاونية اسست بقيادة مؤتمر العمال العرب، اشتركت في المؤتمر الاول في الناصرة انا والمرحوم حسن حامد خطيب، واشتركنا كمندوبين، واقمنا فرعا للمؤتمر في عبلين في دار ايليا دعيم، وشكلنا لجنة للمؤتمر اشترك فيها الكثيرون لندافع عن العمال واخذنا حقا بقطع تصاريح للعمال من حيفا عند الحاكم العسكري، وكانوا يعرفونني كشيوعي، وكانوا يقاوموننا لاننا شيوعيون، ويرفضون اعطاءنا تصاريح وكنا نهددهم بالشكوى.
كل الجمعيات التعاونية لم تصمد مثل الجمعية التعاونية في عبلين، التي صمدت 40 سنة. ولكن، عمالها كبروا في السن، وحلوا الجمعية، وباعوا ما فيها لان السوق تغيرت، وهي تحولت من جمعية زراعية لجمعية استهلاكية، وكانت توزع من ارباحها سنويا في بعض المرات، وكنت انا بصفة مراقب لها.
* نادرة محمد اسماعيل شيخ احمد
محمد اسماعيل اخو خالد اسماعيل شيخ احمد، كان بدون هوية حمراء وكان "يخابط" ليطلع "هوية حمره"، البعض قال له اذا ضربت وقتلت نصري المر تأخذ هوية حمرة، في القهوة صادفني بعد السؤال عني "ساحبا" سكينا ليعتدي علي، فطرده صاحب المقهى المرحوم  احمد نايف رسلان من القهوة وذهب. مرة كنت في مركز البوليس، سمعت صوت محمد  اسماعيل يغني، سألت عنه فقالوا محمد اسماعيل من بلدك فسلمت عليه، وذهبت للدكان واشتريت له الدخان واعطيته اياه، وقال انت نصري المر، قالوا لي "ان اذبحك" وانت الوحيد إللي زرتني بالسجن، وبعدها ابعدوه خارج البلاد.
* دور المطران حكيم في الخمسينيات
"جابوه" من لبنان حتى يقاوم الشيوعيين، عمل تنظيمًا كاثوليكيا، كشافا ورابطة، عملوا جرائم. انقتل واحد في الناصرة، وانحرق واحد في عيلبون، بعدما "شافوا" في 4-5 رفاق شيوعيين من عبلين "يتحدون الطائفة"، فاصبحوا يستفزوننا، مرة كان رفيق في عبلين، حبيب توفيق خوري، يوزع "الاتحاد" في يوم الاحد، لاننا كنا نقسم البلد لمناطق ونوزع الاتحاد حسب الدور، كل واحد اسبوع، وكان التوزيع في حينها على هذا الرفيق والرفيق راشد سليم، وكان المطران حينها في عبلين يحرض على الشيوعيين، ويزور طوائف الكاثوليك والروم وكذلك زار الطائفة الاسلامية عند الشيخ علي الخطيب وحينها وزع الجريدة حبيب وقال انها قانونية وسأبيعها، وحتى سأبيع المطران، وقاموا ضربوه وضربهم واعتبروها اعتداء على المطران. ونزل الشيخ مصطفى سعيد شيخ احمد نحو اقارب للشيخ الخطيب مصادفا الرفيق حسن حامد خطيب (قبل ان يصبح رفيقا) وقال: ان الشيوعيين ضربوا المطران في داركم دار الخطيب "انحرق" عائليا. واشترك في الطوشة، وبدأ يضرب رفاقنا ولكنه اعترف انه كان يضرب عن خطأ لانه صديقنا ومعنا في المؤتمر. وقال، ان واحدا كان يرد الناس ويضرب (محمود حمد شيخ احمد) وحدثت طوشة كبيرة، الكاثوليك مع "التعبانين" ضد الشيوعيين في عبلين الكل "انضرب" راشد سليم ومرشد سليم وايليا توفيق، ووديع خوري كانت "ردة الاجر".
انا لم اكن في عبلين، جئت: الطوشة خالصة، ووصلت واعتقلوني بعد صفعة قوية من البوليس، فقلت للضابط (صباح) انا لم اكن، فقال اطلقوا سراحه.
كل الرفاق اعتقلوا، الذين اشتركوا والذين لم يشتركوا، راشد حبيب، علي احمد عثمان، عودة عبد عودة، واعتقلوا كثيرين، ومن دار الحاج، ابو ناصر، وعادل عزيز، اعتقلوا كل الذين وقفوا معنا، السبب الرئيسي للتحريض علينا كان لان 3-4 رفاق شيوعيين غربيين داروا شرقيين، ولم تحدث في اسرائيل الا في عبلين (أي من كاثوليك لروم) بسبب حرمان البابا.

د. أحمد سعد *
الثلاثاء 2/5/2006


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع