لقد كان أبو الطيب المتنبي فارس كلمة، وصاحب سيف، والخيل والليل والبيداء تعرفه، والسيف والرمح والقرطاس والقلم. وقد مجّد المتنبي السيف في شعره، وتفنن في عرضه، والتقى بالامير الذي يسمى "سيف الدولة".
ومن حيث ان السيف هو رمز القوة والصلابة والارادة، والاستقامة في القوام، والاستقامة في الوصول الى الهدف، فان المتنبي كان صاحب عزيمة ترفض الهزيمة. ومن هنا فانه مع جمال السيف في الغمد ووضاءته في النشر، ففيه عنف في القتل، وشراسة في الطعن، وصاحبه قاتل به او مقتول به.
شبّه المتنبي نفسه بنصل السيف:
سيصحبُ النصلُ مني مثل مضربه
وينجلي عن صمة الصممِ
وهنا يقول المتنبي ان السيف سيصحب منه رجلا مثل حده في المضاء، ويتبين للناس انه اشجع الشجعان، يعني انه اذا قصد الحرب مضى مضاء السيف وعمل عمل الاشجع: أي انه اشجع الشجعان.
ويكرر هذا المعنى، فيرى نفسه سيفا (على المجاز):
ويبقى على مر الحوادث صبره
ويبدو كما يبدو الفِرِنْد على الصقل
وهو يقول ان صبره باق على حوادث الدهر ظاهرة آثاره ظهور فرند السيف (جوهر السيف وماؤه) اذا صقل، جعل مرور الحوادث به كالصقل للسيف، والسيف اذا صقل فزال عليه من الصدأ ظهر فرنده، كذلك هو، اذا امتحن بالحوادث والشدائد ظهر صبره. وفي موضع آخر يقول: إن عشت وبقيت زمانا طويلا لازمت الحرب حتى ادرك طلبتي:
وان عمرت جعلت الحرب والدة
والسمهريّ أخا والمشرفيّ أبا
حيث ان السمهري هو الرمح، والمشرفيّ: السيف. وهنا يشبهه بالاب، والرمح بالاخ، والحرب بالام. انه ربيب معركة، وخصمه تلك الاوضاع المتردية التي يحياها العرب في ظل نفوذ العجم وحكمهم. وهو سينتقم بسيفه الذي يأبى هذه المهزلة، حتى ليستحل كل محرم في سبيل اصلاحها:
بكل منصلت ما زال منتظري
حتى أدلت له من دولة الخدم
شيخٌ يرى الصلوات الخمس نافلة
ويستحل دم الحجاج في الحرم
وفي هذين البيتين يقول: لا تركن الحرب قائمة بكل رجل ماض في الامور طالما انتظر خروجي على السلطان حتى اعطيته الدولة من الخدم الذين لا يستحقون الامارة؛ ويعني بهم الاتراك الذين تملكوا العراق وخرجوا على السلطان. ويضيف قائلا: انتصر اعدائي بكل شيخ ماض في اموره، لا يبالي بالعواقب، مستحل للمحارم، سافك للدماء؛ والمعنى ان الشيخ هنا السيف، فان الشيخ من اسمائه. وقد سمي السيف شيخا لقدمه لانهم يمدحون السيوف بالقدم، وقيل سمي شيخا لبياضه تشبيها بالشيب.
لقد تحول الى سيف، سيف في الثورة، والارادة والتصميم حيث يقول:
ولو برز الزمان إليّ شخصا
لخضّب شعر مفرقه حسامي
ويصل الذروة في اوصافه حين يقول ان دمه ولحمه تحولا الى جلاميد لا تؤثر فيها السريجيات:
طوال الردينيات يقصفها دمي
وبيض السّريجيات يقطعها لحمي
وهنا يقول: ان الرماح (الردينيات) تنقصف قبل الوصول الى اراقة دمي، والسيوف (السريجيات) تنقطع قبل ان تقطع لحمي. فجعل دمه يقصفها لما كان السبب في قصفها وكذلك لحمه.
وبعد ان سجن، وبعد ان تعدّل مسار ثورته، وبعد ان ذاق مرارة الفشل، وطعم الاحزان، يقول:
كيف الرجاء من الخطوب تخلّصًَا
من بعد ان انشبن فيّ مخالبا
أوحدنني ووجدن حزنا واحدا
متناهيا فجعلنه لي صاحبا
ونصبنني غرض الرماة تصيبني
محن أحد من السيوف مضاربا
ويقسم بالسيف كأنه يقسم بعمره، وهذا قمة التوحد مع السيف:
وسيفي لأنت السيف لا ما تسله
لضرب، ومما السيف منه لك الغمد
والمتنبي في هذا البيت يقسم بالسيف قائلا: اني اقسم بسيفي على انك اذا سللت سيفا للضرب فانت السيف في الحقيقة، لا هو، لان مضاءه انما هو بك.
وتختلف نفسية المتنبي باختلاف علاقته بالحاكم، فمع سيف الدولة تتحول الثورة الى حب، والقلق الى استقرار، فيبدو واثقا من نفسه معتدا بقدراته مقبلا على الدنيا:
فالخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وهنا يفتخر المتنبي قائلا: الليل يعرفني لكثرة سراي فيه وطول ادراعي له، والخيل تعرفني لتقدمي في فروسيتها، والبيداء تعرفني لمداومتي قطعها واستسهالي صعبها، والسيف والرمح يشهدان بحذقي في الضرب بهما، والقراطيس تشهد لاحاطتي بما فيها، والقلم عالم بابداعي فيما اقيده.
ومع كافور يتحول المتنبي الى شيخ قد عركته الحياة، وذاق مرارتها وحلاوتها، واصبح يرى حقيقتها بلا زيف، وخاب امله في الكثير من امور الدنيا، والسيف الذي اقسم به خذله، واكتشف ان المجد للسلطة وان الشعراء كالخدم.
حتى رجعت واقلامي قوائل لي
المجد للسيف ليس المجد للقلم
أُكتبْ بنا ابدا بعد الكتاب به
فانما نحن للاسياف كالخدم
ويبين ابو الطيب هنا ان تطوافه بين انماط البشر التي اختبرها قد جعله على قناعة بان المجد لن يتحصل بان يقصد امثال هؤلاء، بل لن يتحقق المجد الا بحد السيف، وليس باستخدام القلم والبيان، وان على مثله بعد ان يعرض فكره وأدبه ان يُعمل سيفه ورمحه، فالقول والاقناع خدم للسيف ولأدوات القتال.
لقد صور المتنبي سيف الممدوحين باشكال شتى معتمدا على اربعة اسس هي: الغمد والسيف والقاتل والمقتول مع ما في ذلك من مكملات الصورة كالطعن والرقاب والصدور.
فالغمد يبكي على السيف:
تبكي على الانصل الغمود اذا
أنذرها انه يجرّدها
لعلمها انها تصير دما
وانه في الرقاب يغمدها
وتعود الصورة بكيفية اخرى:
يُروّي بكالفرصاد في كل غارة
يتامى من الاغماد تُنضى فتُوتمُ
وفي هذا البيت يقول: انه يروي بدم مثل الفرصاد (تمر التوت الاحمر) سيوفا قد فارقت اغمادها فصارت مثل اليتامى، وتلك السيوف تيتم اولاد من يقتله بها في كل غارة يغيرها على الاعداء.
ويصف السيف بانه شمسٌ اذا طلع من غمده:
طلعن شموسا، والغمود مشارق
لهن، وهامات الرجال مغارب
ويتحدث المتنبي عن السيف وسلوكه مع اعداء الممدوحين فيقول عنه انه ينشد مهجهم، ويسوقهم سوق الابل، ويتعطش الى دمائهم لانه شريك في المعركة؛ والابيات المتنوعة التالية توضح ذلك:
* اذا أضلّ الهمام مهجته
يوما فاطرافهن ينشدها
* لقوك بأكبد الابل الابايا
فسقتهم وحد السيف حاد
* كأن حواري المهجات ماء
يعاودها المهند من عطاش
* تحمى السيوف على اعدائه معه
كأنهن بنوه او عشائره
وانطلاقا من محبة المتنبي لسيف الدولة، فان السيف يبتسم تيها اذا ذكر له اسم الاخير:
اذا نحن سميناك خِلْنا سيوفنا
من التيه في اغمادها تتبسّم
كما ان السيد يضيء في هذه الحالة المشابهة:
وان جنح الظلام انجاب عنهم
أضاء المشرفية والنهار
ويقول بان كل السيوف اذا ضرب بها كلت ونبت الا سيف الامير سيف الدولة، فانه مهما ضرب به لا يسأم مقارعة الابطال:
كل السيوف اذا طال الضراب بها
يمسها غير سيف الدولة، السأم
وبالانتقال من الحرب الى الحب، فان سحر الحبيبة سيف:
اين التي للسحر في لحظاتها
سيوف ظباها من دمي ابدا حمر
ويقول مخاطبا نفسه ان الحبيبة منيعة في قومها بالسيوف والرماح التي تدافع عنها. فاذا زار قومها لاجلها كانت تحفته من قبلهم السيوف والرماح؛ وهذا يعني انه يخافهم على نفسه ان زار محبوبته اي ان الوصول اليها متعذر لما يعترضه من شوكة قومها وعزتهم:
متى تزر قوم من تهوى زيارتها
لا يتحفوك بغير البيض والأسل ِ
ويصف الحبيبة انها في رونق السيف:
وكان اطيب من سيفي مضاجعة
اشباه رونقه الغيد الاماليد
اما مع كافور، فان السيف يعلم الخطباء كيف تكون الخطبة، ويريد ان سيوف كافور تعلم الخطباء الخطبة باسمه في الدعاء، يعني ان كافور قد اخذ البلاد بسيفه، فصار كل خطيب بلد يخطب باسمه، اي يدعو له:
سللت سيوفا علّمت كل خاطب
على كل عود كيف يدعو ويخطب
وفيما يخص سيف الدولة، فان هذا الامير قد تحول الى سيف:
حمالة ذا الحسام على حسام
وموقع ذا السحاب على سحاب
ويقول مخاطبا سيف الدولة بانك تركت القتال بالرماح وازدريتها لانها سلاح الجبناء اما سلاح الشجعان فهو السيف لاقتضائه مقاربة ما بين الفريقين في القتال؛ لهذا عمدت اليه واخترته؛ ولما آثرت السيف على الرمح في القتال صار كأن السيف يعير الرمح لانه يطعن من بعيد، والسيف من قريب، فكأنه يسبه بالضعف وقلة العزيمة:
حقرت الردينيات حتى طرحتها
وحتى كأن السيف للرمح شاتم
وهو بين السيوف كأنه بين اهله:
مقيم من الهيجاء في كل منزل
كأنك من كل الصوارم في اهل
ويتابع المتنبي اوصافه للسيف، فيكسب الفارس صفات السيف فيقول للمغيت العجلى:
بياض وجه يريك الشمس حالكة
ودرّ لفظ يريك الدر مخشلبا
وسيف عزم ترد السيف هبته
رطب الغرار من التأمور مختضبا
والمعنى هنا ان مضاء عزمه يصير السيف رطب الحد من دم الاعداء.
وعن قوم بدر بن عمار يقول:
قلوبهم في مضاء ما امشتقوا
قاماتهم في تمام ما اعتقلوا
ان خبرة ابي الطيب المتنبي بالمعارك جعلته يدرك ان معاشرة الفارس لسيفه تجعله جزءا منه، كلاهما يتشبه بالآخر، ويكتسب منه الخصال الحميدة، فيصير الفارس في استقامته سيفا، ويصير السيف في اقدامه فارسا، حتى اذا جار الفارس على سيفه شكاه سيفه:
وصن الحسام ولا تذله فانه
يشكو يمينك والجماجم تشهد
اما اذا جبن الفارس فقد هلك السيف:
ان السيوف مع الذين قلوبهم
كقلوبهن اذا التقى الجمعان
تلقى الحسام، على جراءة حده
مثل الجبان بكف كل جبان
وهكذا استطاع ابو الطيب المتنبي من خلال الصورة التشبيهية والمجازية ان يجسّد السيف، وان يجعله احد جنود المعركة، المؤمنين بقضيتها، المصممين على النصر فيها حيث ان السيف في نظره يعرف هدفه، ويسعى اليه سعي الخبير به، فهو عضو فعال على مسرح المعركة بكافة عناصرها وجوانبها، وفي عين الشاعر الفنان صار الفارس سيفا، والسيف فارسا، وكل ذلك بخصوبة فنية فائقة، وبخيال متأجج صور فيه المتنبي الاطار الخارجي للمعركة بسيوفها وغمودها وحركتها وفرسانها، فكان تصويرا رائعا ربط بين الفارس والسيف والعلاقة الحميمة بينهما في اطار من الخصال المتبادلة والوشائج البدنية والروحية التي تجمعهما على سبيل المجاز اللغوي.
(كفر ياسيف)
د. منير توما *
الأثنين 12/9/2005