.JPG)
لم ننتظر حتى تتسرب الى وسائل الاعلام العالمية نصوص الوثيقة السرية التي أعدها نائب الرئيس الامريكي، الصقر اليميني العدواني، ديك تشيني، لتكون بمثابة احد المنطلقات الاستراتيجية في رسم وبلورة السياسة الخارجية الامريكية للهيمنة في الشرق الاوسط. لم تنتظر حتى نشر مضمون ومدلول هذه الوثيقة السوداء، التي اطلق عليها تشيني اسم "الاختراق النظيف" لكي نحدد الخلفية الحقيقية لاغتيال الرئيس رفيق الحريري وتوجيه اصبع الاتهام الى القوى الحقيقية التي كانت معنية بتصفية الحريري.
لسنا من "السحّيجة" في صف "حوالوم" التهليل للنظام السوري، نقيم هذا النظام بشكل موضوعي وفقا لمواقفه العينية الممارسة، تنتقده في ممارساته غير الدمقراطية، ونحييه عندما يتخذ مواقف وطنية ضد مخطط الهيمنة الامريكية – الاسرائيلية في المنطقة. وعندما ارتفعت اصابع الاتهام الامريكية والاسرائيلية وبعض قوى المعارضة اللبنانية تحمل النظام السوري المسؤولية المباشرة عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري أكدنا بان النظام السوري آخر من له مصلحة بتصفية الحريري، خاصة في الظروف الصعبة التي تواجهها سوريا من ضغوطات وتهديدات امريكية واسرائيلية، واننا لا نستبعد ان تكون عملية اغتيال الحريري جزءا من المخطط الاستراتيجي العدواني الاسرائيلي – الامريكي للهيمنة في المنطقة. وما جاء في وثيقة "الاختراق النظيف" التي اعدها تشيني في العام 1996 يثبت صحة تقييمنا للمدلول السياسي الذي رافق تطور الاحداث في لبنان منذ تصفية الرئيس الحريري.
فوثيقة "الاختراق النظيف" تتحدث عن خطط استراتيجية تعتمد على وسائل قذرة تلجأ اليها السياسة الامريكية لاختراق هذا البلد او ذاك ومن خلال الاعتماد على تحريك قوى دخيلة عميلة لها لزرع الفتنة والبلبلة وعدم الاستقرار وتهيئة الظروف والمناخ لتدجين هذا البلد ونظامه في حظيرة استراتيجية خدمة المصالح الامريكية في المنطقة.
ولا يتورع تشيني في وثيقته السوداء من الاشارة الىعدم استبعاد تصفية شخصيات وطنية لبنانية وغيرها بارزة كأحدى وسائل الاختراق في لبنان، نشر البلبلة وزرع الفرقة في الشارع اللبناني الى درجة تهدد بنشوب حرب اهلية دموية، تصعيد العداء لسوريا والعمل لسحب قواتها من لبنان وزرع الفرقة بين لبنان وسوريا، ايصال نظام مدجن امريكيا يسرع الخطى في تطبيع العلاقات مع اسرائيل والتآمر مع حكامها حول مصير اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان.
حتى نضع الامور في نصابها الصحيح، خاصة في الفترة منذ الرابع عشر من شهر شباط الماضي، يوم ارتكاب جريمة اغتيال الحريري وحتى خطاب الرئيس السوري، بشار الأسد يوم الخامس من شهر آذار الحالي، فانه من الاهمية بمكان مراجعة مدلول الاحداث التي برزت على الساحة اللبنانية حتى ندرك الافق الاستراتيجي لما يخططه التحالف التآمري ضد لبنان وسوريا والمنطقة فبعد الجريمة النكراء بتصفية الحريري برزت على ساحة الصراع في لبنان عدة ظواهر اهمها:
اولا: انطلاق قوى المعارضة اللبنانية ترفع شعارات تدين جريمة قتل الحريري وتطالب بجلاء القوات السورية عن لبنان وبسقوط الحكومة اللبنانية التي نعتبرها غير شرعية "ودمية" سورية.
وشعارات تدعو لتطبيق اتفاقية الطائف واخرى لتطبيق قرار مجلس الامن (1559)، وما نود تأكيده ان سحب القوات السورية من لبنان تجسيدا لاتفاقية الطائف مطلب شرعي، ولو تحلت القيادة السورية بالحكمة السياسية لتوصلت الى اتفاقية ترتيب البيت اللبناني مع النظام اللبناني تسمح بمغادرة القوات السورية الاراضي اللبنانية منذ سنوات. كما ان الشعب اللبناني عانى من خروقات فظة ارتكبها الوجود السوري واجهزة مخابراته والتي اعترف بمآسيها الرئيس السوري في خطابه الاخير. ولكن من جهة اخرى اكدنا عدم التجانس في هوية وموقف قوى المعارضة اللبنانية، فقد جمعها وحدة الموقف حول مطلب القوات السورية والتحقيق في مقتل الرئيس الحريري ولكنها تختلف في الافق الاستراتيجي لطابع تطور لبنان، لطابع الهوية اللبنانية التي يجب صقلها، لطابع العلاقات اللبنانية – السورية بعد جلاء القوات السورية. فبعد هذه القوى المعارضة التي فقدت امتيازاتها الاحتكارية الفئوية والطائفية منذ اتفاقية الطائف ولها ارتباطاتها المفضوحة والمستورمع الاحتلال الاسرائيلي ومع المتآمرين خاصة على مستقبل لبنان والمنطقة، مع امريكا والفرنسيين والاسرائيليين امثال جماعة العميل ميشيل عون وغيره، فهذه القوى التي عارضت اتفاقية الطائف في حينه، ترفع قميص عثمان الطائف لانهاء التدخل السوري وفتح الابواب للتدخل الاجنبي الامريكي والفرنسي والاسرائيلي في الشأن الداخلي اللبناني عل هذا التدخل يعيد الى هذه القوى العميلة امتيازاتها الطائفية والسياسية والمصلحية المفقودة مقابل اندماجها في مخطط الهيمنة الامريكية – الاسرائيلية على لبنان والمنطقة.
ثانيا: خروج الجماهير الواسعة من الشعب اللبناني اثر اغتيال الحريري الى شوارع التظاهر استنكارا للجريمة والمطالبة بخروج القوات السورية من لبنان. لقد كانت هذه الظاهرة تعبيرا عن المشاعر الصادقة للكثير ممن شاركوا في مظاهرات الاحتجاج، الرد العفوي على جريمة اغتيال شخصية بوزن رفيق الحريري. ولكن بعض القوى المعارضة حاولت السمسرة بدماء الحريري واستغلال مشاعر الناس وعواطفهم وتجييرها في خدمة اهدافهم السوداء، وخلق الانطباع الكاذب كأن الشعب اللبناني كله يدعم ويؤيد اهدافهم الاستراتيجية السوداء.
وبرأينا ان ما جاء في خطاب الرئيس السوري وردودا لفعل اللبنانية والعالمية عليه سيعكس اثره على موازنة الصراع والتطور داخل لبنان وفي المنطقة. فاعلان الرئيس السوري عن سحب القوات السورية الى الحدود السورية في مواعيد يجري تحديدها والاتفاق عليها مع النظام اللبناني قد أربك وادخل اعداء المصالح الحقيقية للشعب اللبناني وشعوب المنطقة في "حيص بيص".
فمما لا شك فيه ان مدلول هذا الخطاب سيساعد في تخفيف حدة الضغوطات الدولية على سوريا وسيحاصر مخطط التآمر الامريكي – الاسرائيلي على النظام السوري ويوجد ارضية جديدة للتناقض الامريكي – الاوروبي فيما يتعلق بالموقف من استراتيجية الهيمنة الامريكية في المنطقة. واهم من كل ذلك فان ما جاء في خطاب الاسد، خاصة الانسحاب الكامل من لبنان والتأكيد على وحدة المسارين السوري واللبناني في المعركة للتسوية العادلة قد يفتح صفحة جديدة في العلاقات السورية – اللبنانية ويلخبط ويقلب رأسا على عقب اوراق وحسابات المخطط التآمري الذي راهن على بلورة موازنة قوى داخل لبنان ترجح كفة المدجنين امريكيا. وقد بدأت تبرز ملامح اعادة اصطفاف القوى اللبنانية في تحديد الموقف من سوريا ومن مدلولات خطاب الرئيس السوري السياسية.
وقد برز ذلك من خلال انقسام المعارضة في الموقف في تقييم خطاب الرئيس الاسد ومدلولاته السياسية. فرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي اعتبروه زعيم المعارضة اللبنانية قيم ايجابا خطاب الاسد، وفي حديثة لتلفزيون "المستقبل" اللبناني اكد "ان خطاب الرئيس السوري ايجابي ويلبي تطلعاتنا. لقد اعطى رؤيا جديدة وهذا ما كنا نطالب به". اما رئيس الجمهورية اللبناني السابق امين الجميل فقال: "ان الانسحاب السوري من لبنان – كما جاء على لسان الاسد – غير مقبول. كنا نتصور انه سيعلن انسحابا كاملا الى ما وراء الحدود لا الى الحدود"!! وبرأي العميل ميشيل عون ففي تعليقه للمؤسسة اللبنانية للارسال (ال.بي.سي) اعتبر ان ما جاء في خطاب الاسد ليس اكثر من "اعلان ملتبس، لم يحدد تاريخا للمرحلة الاولى ولا الثانية وهو مناورة كلامية!!
ولم نفاجأ بموقف الادارة الامريكية فقد اعلنت وزارة الخارجية الامريكية ان ما اعلنه الاسد غير كاف وسارع وزير الخارجية الاسرائيلية سلفان شالوم، الى ترديد الموقف الامريكي بان اعلان الرئيس السوري "غير كاف". وحسب رأي خادم سياسة شارون ونائبه زعيم "حزب العمل" شمعون بيرس ان خطاب الاسد، يعتبره "تهربا استجابة لقرار مجلس الامن الدولي الذي يدعو لخروج القوات السورية من لبنان، وان هذا الانسحاب الكامل من لبنان قد يؤدي الى محادثات سلام اسرائيلية مع بيروت!!
وحقيقة ان المواقف الامريكية والاسرائيلية المدعومة بمواقف بعض قوى المعارضة اللبنانية بتاريخها الاسود في التعاون مع هذه القوى تضع نصب اعينها "اختراقا نظيفا" للبنان لتحقيق ثلاثة اهداف تآمرية متداخلة فيما بينها عضويا: الاول، الاستفراد بلبنان لفصل المسار اللبناني عن السوري بهدف افتراس الحقوق الوطنية الشرعية اللبنانية والسورية. والثاني، ايصال عملاء استراتيجية الهيمنة الامريكية – الاسرائيلية الى سدة الحكم في لبنان لتجسيد كل ما يتضمنه قرار مجلس الامن 1559 من بنود مأساوية، مثل تجريد المقاومة اللبنانية وخاصة حزب الله من السلاح، وكذلك الميليشيات الفلسطينية في المخيمات لتسهيل المؤامرة على مصير اللاجئين في لبنان.
والثالث، عقد صلح منفرد مع اسرائيل قبل الحل العادل للقضية الفلسطينية. وتحذير الرئيس السوري من مغبة العودة الى ما قبل 25 سنة الى 17 ايار مذكرا باتفاق الاستسلام مع اسرائيل الذي انهار سريعا، المقصود من ورائه التحذير من مغبة قيادة لبنان الى حظيرة "سلام امريكي" في اطار الشرق الاوسط الكبير" لتطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع اسرائيل قبل انجاز الحل الشامل، العادل والثابت لقضايا المنطقة والعرب.
ولكن حسابات السرايا ليست كحسابات القرايا، فالشعب اللبناني بقواه الوطنية الذي كنس الاحتلال الاسرائيلي من جنوبه المحتل على درجة من الوعي الوطني لافشال ودفن المخططات الامريكية – الاسرائيلية والقوى المتواطئة معها لبنانيا وعربيا التي تستهدف مصادرة سيادته الوطنية ودق الاسافين بين سوريا ولبنان – ولعلّ المظاهرات الجماهيرية التي انطلقت في مختلف المدن اللبنانية بشكل عفوي بعد انهاء خطاب الاسد والتي هتفت لتعزيز العلاقة الاخوية السورية – اللبنانية المبنية على الاحترام المتبادل في موضوع السيادة وتصحيح مسار العلاقات بين البلدين لمواجهة العدو المشترك دالة خير تبعث على التفاؤل باشراقة عهد جديد على الاراضي اللبنانية وعلى ساحة العلاقات اللبنانية السورية.
د. أحمد سعد *
الثلاثاء 8/3/2005