سعاد قرمان والإيقاع الشّعريّ المتفرّد


د. نبيه القاسم


امرأة البرتقال، للفنان الفلسطيني غازي عيسى انعيم (حبر على قماش)




سعاد قرمان تنتمي للجيل الأولِ من مُبدعينا، رافقت أصحابَ الأسماء الكبيرة في حركتنا الأدبية المحلية الذين أسّسوا لهذه النهضة الفكريةِ اللغوية الثقافيةِ مباشرةً بعد نكبة شعبنا عام 1948 وانقطاعِنا عن ماضينا وحاضرنا.. وتابَعتْ طريقَها مع الذين رسّخوا هذه النهضةَ وثبتّوها وأعطوها تميّزَها وفرادَتها.  وكان لسعاد قرمان دورُها ومكانتُها واحترامُها، وهي مع  حنا أبي حنا وحنا إبراهيم يُذكروننا دائما بأنّنا لم نأتِ من عَدَم وإنما نحن كما هم، استمرارٌ لمسيرة شعب حضاريّ عريق.
شعرُ سعاد قرمان الذي نشرته في مسيرة إبداعها الطويلة والممَثَّلُ بما يحويه إصدارُها "من حصاد العمر" (إصدار خاص)  يُعطينا صورةً للتطوّرات والعقباتِ والتغيّرات التي شهدتها قصيدتُها، وهو النموذجَ للشاعرة التي لم تلهث وراء المفردات ولم تُجهدْ نفسَها لبناء الصورة في معظم إبداعها الشعري الذي يمثل إبداعها الحقيقي.
وقد قسّم الجرجاني  المعنى إلى نوعين: تخييلي وعقلي، فحيث يكون النصّ قائما على المعنى التخييلي يكون شعرا. وحيث يكون قائما على المعنى العقلي لا يكون شعرا، وإن جاء موزونا مقفّى.
كانت سعاد قرمان واعيةً لهذا الكلام الواضح ، واجتهدت قدرَ الإمكان ألّا تفقدَ البوصلة ، إلّا أنّ ظروفَ الحياة، وتعقّدَ المشاكل، وتراكمَ الأحداث، كانت تدفعُها أحيانا للتمرّد على مَلَكة الشعر النقيّةِ، وتُسارعُ لتعلن موقفَها الغاضبَ فتحكي وتغضبُ وتدينُ وتهدّد وتَستدعي الرأيَ العام.
يمكننا توزيع شعر سعاد قرمان على ثلاثة محاور مضمونيّة أساسيّة كانت مركز اهتمام وانشغال الشاعرة في مسيرتها الشعرية الطويلة.
1- الذاتي الخاص.
2- المناسبات الخاصّة.
3- القضايا العامة.
سعاد قرمان كانت ابنة بيئتها، رغم كونها تعيش في أسرة غنيّة قادرة على أنْ توفّر لها كلّ ما تريد، عاشت حياتها العاديّة تُحلّق مع خيالها، تنسج الأحلام، تريد الانطلاق فتأسرها العادات والتقاليد فتنكفئ على ذاتها تحكي همومَها لنفسها:
"جُنَّ خوفي/ وبرى الشكّ فؤادي/ وتعالت في كياني العاصفة/ وعلا في مهجتي/ صوتٌ/ يُنادي/ ويدوّي في سمائي الرّاجفة/ مَن أنا؟/ يا ربّ.. يا ربّ ../ بل يا ربّ قل لي/ كمْ أنا/ في عمق أعماقي/ وفي أصداء ذاتي الخائفة؟".(ص42)
وكما عانت فدوى طوقان من تكبيل العادات والتقاليد لها ومن ظلم الوالد والعائلة، هكذا شعرت سعاد، رغم تعاطف الأهل وحبّ أفراد الأسرة وتسامحهم، أنّ عادات  المجتمع وتقاليده تفرض حولها طوقا يحول بينها وبين الانطلاق، فعبّرت عمّا تحسّه وتريده بقصائد ذات نبرة إيقاعيّة منسابة جميلة، فيها صوّرت إحساسها بالوحدة والألم والتشوّق للانطلاق نحو العالم الخارجي حيث تلتقي الآخرين، وتحيا الحياة الطبيعيّة. وتعرف الحب، وتغنيّ للحبيب بكلمات نثرتها شعرا أخّاذا، ورسمتها صورا واستعارات:
"أخاف عليّ من نزعات نفسي/ ومن شوقي إليكَ ومن ولوعي../ وأخشى لو سدلتُ ستارَ رمشي/ على حبّي ستفضحه دموعي/ ولو كتمَت شفاهي بوحَ قلبي/ سيهدر عاصفا بين الضّلوع/ فرُحْتُ أُباعدُ الأميالَ بيني/ وبينك، كي أصان من الوقوع/ فمالي عندما أخلو بنفسي، وأفترش الوسائدَ للهجوع/ أراك بخلوتي، وأحسّ نفسي/ تلاشتْ في هواكَ بلا رجوع".(ص66)
وتدفقت القصائد الجميلة الشفافة بإيقاعاتها الهادئة الجميلة التي استطاعت بها سعاد قرمان أن تحتلّ مكانة محترمة في حركتنا الشعرية المحلية منذ سنواتها الأولى في خمسينات وستينات القرن الماضي.
لكنّ هموم الحياة تأخذها ومشاغل الأهل تهزّ كيانها، فتخرجها من همومها الذاتية وقضاياها الخاصّة لتهتم بالأسرة والعائلة والأصدقاء. وتظلّ جذوة الشعر مرافقة لها، ومفرداتها تندفع بانطلاق جميل، تبكي الذي رحل، وتحضن قميص الذي كان، وتعزّي الأم الكسيرة الجناح، رغم أنّها اختارت جانب الرّاوي المصوّر ما حدث، تُقدّم للمتلقي مشهدا، هو مَنْ يُضّطر لخَلقه لنفسه ليحزن ويشعر بهجر الأحبّاء:
"أحبابنا يا أمّ .. كيف تُراهمُ ابتعدوا وساروا؟/ دارت بهم أيّامُهمُ، ونبا بهم عنّا المزارُ/ لا هندُ .. لا بُشرى.. ولا كأسٌ يُصَبُّ ولا يُدارُ/ وأنا وأنتِ وحيدتان وذكرياتٌ وانتظارُ/ هذا قميص حبيبتي أختي، أشمُّ العطرَ فيه/ وهنا كتابُ أخي الذي شدّ الرّحالَ إلى أخيه/ راحوا .. تُرى مِنْ منهم سأراهُ بعدُ والتقيه؟/ راحوا.. وظلّ البيتُ يشكو في حنين هاجريه!." (ص34-35)
وكما حزنت لغياب الأهل ورحيلهم، تمزّقت ألما وحزنا على فَقْد جمال عبد الناصر، فتدفّقت المفردات بانسياب، ترسم حزنَ الشاعرة وألمها المُمزّق لموت الأب الكبير:
"تعبتُ يا صديقي.. أُريدُ أنْ أنام"/ وأغمضَ الجفونَ في إغفاءةٍ/ سريعة كلمحةِ البصرْ/ طويلةٍ كيُتْمِنا/ عميقةٍ كحزنِنا/ أليمةٍ كصبرنا ولوعةِ البشرْ../ أهكذا بلمْحةٍ يُطيعكَ القدرْ؟/ يتيمة أنا بقربِ والديّ/ وقُربِ أطفالٍ يضجّونَ حياة/ ورغم بيتي، رغم زوجي تُقفرُ الحياة/ فأسكنُ الضّياعَ في العَراءْ/ وأحملُ الجراحَ في ضلوعي/ وأنزفُ ابتسامتي معَ الدّماء/ يتيمة أنا.. مذ ليلة الإسراءْ"(ص104)
وتدفقت الصور الجميلة في رسم مشاهد رقص صديقتها لتشدّ المتلقي إليها وتُعَيّشه على إيقاع الموسيقى وخطوات الراقصين:
"وعندما تعانقت في القاعة الفسيحةِ/ أنظارُنا صديقتي وأنتِ ترقُصين../ شعرتُ بانسيابكِ الرّشيق/ والألحانْ/ تطلُّ من عينيكِ/ ترفُّ في ساقيكِ/  وجسمكِ الممشوق يحنو/ يحضنُ الرّفيق/ وأنتِ يا صديقتي نشوانةٌ/ رغمَ الضّجيج والزّحام.. تبسمين/ ما كنتِ بيننا،/ لم تبسمي لنا/ بل كنتِ في دنيا الحنين/ تحلمين.. تحلمين". (ص114)
هذه الشاعرية المتفجّرة في تذكّر الأهل الذين رحلوا، وبكاء جمال عبد الناصر الذي غاب، ومتابعة رقص الصديقة الأثيرة التي تنساب مع الموسيقى، وترفّ الألحان من عينيها وفي ساقيها وهي في دنيا الحنين والأحلام، سرعان ما تراجعت في مناجاتها لابنتها حيث تدحرجت الكلمات لتكون عادية لا تُثير في قارئها أيّ أحاسيس أو انتباه:
يا ابنتي/ أنتِ في عمرِ العطاء/ أنتِ في روحي/ حنينٌ وارتواءْ/ أنتِ في فكري كالغيماتِ/ بانت أو توارتْ/ فهيَ دوما في السماء. (ص112)


***خارج المحور الذاتي


وبانطلاق سعاد قرمان خارج المحور الذاتي، وبعيدا عن محور الأسرة والأهل والأصدقاء، واجهت الحياة بكل تقلّباتها وأحداثها والقضايا الكبيرة، احتلال الغريب وظلمه للأهل وتقييد حريتهم وملاحقتهم في كل صغيرة وكبيرة، فانتفضت لهذا الواقع الجديد، وغضبت وثارت، ووسط هذه المشاعر الجيّاشة والرغبة في المشاركة العامّة عاشت كل لحظات وجودها، ولم تُدرك أنّها الغريبة في هذه الأجواء، والبعيدة عن هذه القضايا التي أبعدتها عنها حياتها الخاصة ومشاغلها الذاتية، ولم تُدرك أنّها بخروجها عن دائرتها الخاصّة، وابتعادها عن محور شاعريّتها المركزي تتلبّسها همومُ الحياة والناس والوطن، وتصبح الأفكارُ سيّدتها الموجّهة بينما الخيال يفرّ هاربا . فتأتي الكلمات حَيِيَّة هزيلة لا روح فيها، تكشف وجهَها الواحد، وتعطي معناها الواحد، وتلبس رداءها العاديّ المعروف للجميع، لا إبهار ولا مفاجأة، ولا توقّعات بعيدة، ولا أحلام:
أنا بنتُ فلاح/ يشقّ الصّخرَ في حرّ الهجيرْ/ بنَدى الجبين روى الترابَ/ وزَرَعه أملٌ كبير/ والقلب كالزيتون / إيمانا../ وموسمه نضير. (ص45-46)
وتروي ما فعل التتار بها وبشعبها:
في غفوة التاريخ/ أو في غفوتي/ هجم التتار/ على سياج حديقتي/ اغتصبوا السّحاب/ ودمّروا الأعشاشَ/ وانتهكوا حمى زيتونتي. (ص46)
فالكلمات هنا عادية تؤدّي معناها البسيط المعروف، والمشهد تصويري يُنقَل بتفاصيله دون إثارة أيّ مشاعر. الشّاعرة تروي ما حدث دون قُدرة على اكتساب عاطفة المتلقي وتأييده، حتى وصفها لمن اغتصب البلاد ودمّرها بالتتار لم يحمل الدّلالات ويخلق الصّور، وظلّت في حدود المجاز السطحي البسيط.وبحماس شديد تتحدّى وتتوعّد:
يا قاتلين براءتي/ وممزّقين وداعتي/ وممرّغين/ بوحل ويلات الشّقاء/ طفولتي/ لن تنزعوا عني هويّتي العريقة/ فهي ميراثُ العُصور/ وأنا هنا/ في الصبر / في الزّيتون/ في النّسمات/ في نبض الصّخور. (ص54-47)
ومثلُ هذه السرديّة السطحيّة نجدُها في قصيدة (مُنْيَتي) حيث تأتي الكلمات لتبرزَ موقفَ الشاعرة من الحالة المزرية التي يعيشها الناس (منيتي أنْ تستفيقَ بنا الحميّة/ فعذارانا يُعرَّينَ بأيد همجيّة/ وفناءُ المسجد الأقصى تخضّبه/ دماءُ شبابنا الغرّ الزّكيّة../ وصحارى أقدس البلدان/ داستها النّعالُ الأجنبيّة) ( ص51)
الكلمات شعاراتية بعيدة كلّ البعد عن الإيحاء الشعري، كلمات عاديّة لا حرارة ولا إثارة فيها، فحتى صورة العذارى والمسجد الأقصى المخَضَّب بدماء الشباب، والصحراء المقدّسة المنتَهكة بنعال الأجنبي جاءت على شكل أخبار متتالية لا إثارة فيها.
وفي قصيدة أخرى تُندّد وتهدّدُ وتتوعّد بعيدا عن  لغة الشعر:
(لا وقت عندي للتردّد والرّجاءْ/ إنّي بعون الله، وحدي، سوف أنتزع انتصاري/ بالتّروي والإباء/ فأنا سليلُ أصالةٍ وحضارة فيها التقت أركانُ أديان السّماء/ إنْ يهدموا بيتي، فسوف أعيدُه، فأنا مَنْ عمّرتُ الكونَ فنا وبناء..) (ص55)
وتخرج سعاد قرمان بعيدا عن دائرة الشعر الجميل بكلمات سمّتها "نشيد الانتفاضة" كلمات عادية لا إثارة فيها ولا تداعيات اللهمّ غير إيقاع الوَقْف في نهاية العجز لنستشعرَ جوّ المارش العسكري:
نُريد سِلما إذا أردتم / سلما يُعيدُ لنا الأملْ/ سلما يردُّ لنا اعتبارا/ بين الشّعوب وفي الدولْ/ نعيش في أرضنا بعزٍّ/ نسعى ونجني بلا مَلل/ بها نُداوي جِراحَ شَعبي/ شعبي الكريمُ كمِ استُذلّْ/ بها سنرفعُ راياتِ قومي/ بها سندفعُ جهودَ سلم/ بها ستلمع ثمارُ علمي/ بها سنحيا.. مدى الأجَلْ!. (ص129-130).
وانتبهت الشاعرة لهذا الخروج على الشعر وعالمه الخاص وإيقاعاته الساحرة، ولكنها ظلّت في حيرتها بين حنينها للشعر الجميل ورغبتها في البقاء وسط ساحات المواجهة والتّحدي والتّصدي للغريب والتلاحم مع الناس في قضاياهم الصغيرة والكبيرة، فكانت قصائد عانت من الأمرين، تبدأ الشاعرة قصيدتها بمنتهى الانسياب والجمال والإيقاع الأخّاذ والكلمات المتألّقة بدلالاتها وفجأة تنتكس وتعود للتفكير بالناس والقضايا الكبرى فتفر القصيدة وتضمر الكلمات وينقطع الإيقاع الجميل كما في قصيدة "على القمم ص36" كان يفضّل لو اكتفت الشاعرة بالمقطعين الأوّلين فقط.  وكذلك قصيدة "زهرة ورمال" ص70 لوحذفت المقطع الثالث وآخر سطر من المقطع الأوّل.
لكن هذه النماذجَ القليلة ليست الممثلةَ لشعر سعاد قرمان وإنّما المخزونُ الكبير من القصائد الجميلة التي ضمّتها مجموعاتُها الشعرية هي المقياس وهي التي تُعطي لها مكانتَها الشعرية ومركزيّتها في تجددِ وتطوّرِ حركتنا الشعرية المحليّة. القصائد التي انطلقت من ذاتها، تحكي قصّتها وتصف آلامها:
"صديقتي .. بالرغم من آلامنا الكثيرة/ بالرّغم من ملح يُرَصُّ في الجراح/ بالرّغم من ضياعنا / وأدمع أسيرة/ تأبى انطلاقا.. ترفضُ البُواح/ لا زال في الآمالِ واحة صغيرة/ تضمُّ في أهدابها الأقاح!" (ص33)
فتكرار كلمة "بالرغم" توقفنا على المأزق الذي توجد فيه الشاعرة. وتزداد حدّة الصورة وشدّنا إليها بكلمات آلام وجراح تُملأ بالملح وضياع ودموع حبيسة. ثم ترْسمُ لنا الأملَ الذي يشدّها للصمود.
فهي لم تصرخ ولم تشتم وإنما بكلمات هادئة مشحونة بالدلالات رسمت لنا الصورةَ المكتملةَ لتُجندَنا إلى جانبها ضدَّ ظالمها أيّا كان.
ومثلها جماليّة قصيدة "الدّثار" (لوّنتُه بصبابتي/وجنوني/ وبثثتُ فيه حرارتي/ وحنيني../ وبعثتُه.. يا للرّسول مُنافسا/ سيقوم طوعا باحتضانك/ دوني) (75)
حيث ترسم صورة العاشقة المتيّمة التي تبثُّ الدثارَ الذي تُرسله لحبيبها بكلّ أحاسيسها وأشواقها حتى أنها في لحظة ما تشعرُ بالغيرة لأنّه سيحضن حبيبَها بينما هي بعيدة تتحرّق.
قال أدونيس "إنّ الشعرَ الذي يقوم على المجاز التّوليدي يُفجّر الجوانبَ الأكثرَ غنى وعُمقا في كياننا، وفي هذا المستوى يكونُ الشعرُ خَلقا، يكشف الأجزاءَ الخفيّة أو المنتظرة أو الغائبة من وجودنا ومن مصيرنا على السّواء" (سياسة الشعر ص27). ولسعاد قرمان العديدُ من القصائدِ الجميلة التي تُفجرُ في كياننا الخبايا وتحرّكُ المكنونات مثل قصيدة"كذَبْتَ فؤادي" (ص78)
"كذبتَ فؤادي/ فأنت تنادي/ وقد بُحّ في شفتيكَ النّداءْ/ وتُبدي خضوعا/ لحُكم المنايا/ ويشكو أنينُك ظلمَ القضاء."
الشاعرة تفصل نفسها عن فؤادها وتواجهه بحقيقة حالته التي يعاني منها. ومثل قصيدة " وأنت ترقصين" (114) التي ترسم فيها حالة النشوى والفرح الغامر التي تعيشها صديقتُها وهي ترقصُ حيث غابت عن الوجود في دُنيا الحنين.
ومثل قصيدة (هلّا) (ص140) التي تصورُ فيها مشهدَ العشق الجميل بكلمات تتدفقُ بالفرح والنشوة والحبِّ المتفجر:
"هلّا لمستُك يا حبيبي/ فوق جبهتك العريضة/ ومسحتُ آثارَ العَناءِ/ وأنّةَ التّعب البغيضة/ ومددتُ نحوك ناظريّ/ بكل إشعاع الحنان/ فسرى بك الدفءُ اللذيذُ/ ورفّ قلبي بامتنان/ ولثمت ثغرك/ والرّحيقُ نعُبُّ منه/ بلا ارتواء/ ويفيض عالمنا الخفيُّ/ بكلّ ألوان الهناء".


///فنّية قصائدها الذاتيّة


شاعريّة سعاد قرمان برزت في قصائدها الذاتيّة التي فجّرت طاقتها الفنيّة، بإيقاعاتها الجميلة التي عرفت كيف تختارها وتلائم بينها، وبالمفردات البسيطة العادية التي أكسبتها الجمال والدلالات، وخلقت منها الاستعارات والصور العديدة، فلم تعد الكلمة التي نعرفها وإنما مفردة تتهادى بالدّلالات المتعدّدة التي تأخذ بالمتَلَقّي إلى أبعاد بعيدة ومُتداخلة.
وحاولت في بعض قصائدها اعتماد إيقاعات قصائد معروفة لاقت استحسان القراء والنقّاد بأن تتّخذ من الإيقاع المختار ركيزة لبناء قصيدة جميلة تشد القارئ إليه، وقد نجحت في بعضها إلى حدّ كبير كما في قصيدة "لأجل طفل ص60"  وقصيدة "بوح ص66" وقصيدة لا ص68" وقصيدة "دمعة وابتسامة ص142" وقصيدة "ذكريات عانس ص144".
وقصدت في قصائد أخرى تكرار لازمة ترتكز عليها القصيدة كما في قصيدة "لا وقت للبكاء ص55" بابتداء كل مقطع بكلمات " لا وقت عندي". وتكرار "إليك يا حبيبتي" في بداية كل مقطع من قصيدة"هديّتي إليك ص83"
وأختتم كلامي بقصيدة جميلة تؤكدُ فيها سعاد قرمان أصالةَ شاعريّتِها وتملّكها لحاسيّة الشّعرية الرّاقية، قصيدة ستون التي تتحدّى بها السنينَ التي عاشتها وتؤكد أنّ ستين ما هو إلّا رقم عابر  فهي تتعدّاه وتتابع دربَ الأبداع للمزيد من العطاء:
"ستّون.. ماذا يهمسون؟/ ستّون عمري.. يقصدون؟/ ستّون عاما؟ نصفُ دهر!/ ستّون مرّت مثلَ شهر!/ ستّون لا تُعلي عليّ تعنّتا/ لا تَثْقُلي../ ما أنتِ إلّا رقم!/ أنا مَنْ عَلَوْتُكِ وامتطيتُكِ صهوةً../ ونقشتُ فيكِ الأرضَ يوما بعدَ يوم../ فتمهّلي" (ص103).

السبت 7/5/2016


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع